الصفحة 1489 من 1990

ثُمَّ يقول: (فيجتمع فيه الأمران بغضه وإرادته) فبغضه من جهة ذاته وشره، وإرادته من جهة ما ينتج عنه من المصلحة والحكمة، [ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما] ، فهذا متعلق بالمصلحة والحكمة، وهذا متعلق بالشر بذاته، وذكر ثلاثة أمثلة واقعية من واقع النَّاس المشاهد المحسوس. منها: أن الإِنسَان نفسه يبغض الشيء من جهة، ويحبه من جهةٍ أخرى ليقر الإِنسَان ويعترف بذلك.

فمثلًا: الدواء في ذاته كريه لكن إذا علم المريض أن فيه شفاءه، مع أن هذا الدواء مر، ومنتن الرائحة، لا يذوقه الإِنسَان ولا يطيقه ولا يريده أبدًا، ولو عرضته عَلَى إنسان سليم بأغلى الأثمان لما ذاقه ولا طعمه، ولكن هذا مجرب أنه دواء للعلة التي يشكو منها مريض مقعد مجهد، يعاني من العلل والأمراض والسقم، فيتحمل مرارة الدواء فيستعمله، لكنَّ محبته للدواء ليست لذاتها، لكن لكونها وسيلة إِلَى مرادٍ محبوب وهو الشفاء.

قَالَ: (وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده) ، وهذا أيضًا مثال عقلي واضح، أن الإِنسَان إذا تآكل عضو من أعضاءه بعلة، وهذه العلة ستسري إِلَى سائر البدن ولا خيار إلا أن يقطع هذا العضو، أو أن تسري العلة إِلَى جميع البدن فيموت، فما الذي سيختاره الإِنسَان؟ سيختار القطع، فالقطع ليس محبوبًا مرغوبًا لذاته، فلا يرضى أحد أن يقطع منه عضوًا، لكن لأنه وسيلة إِلَى منفعة وإلى أمر محبوب ومراد وهو الشفاء أو السلامة من تسرب وسريان الداء إِلَى بقية الأعضاء، قَالَ: (وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إِلَى مراده ومحبوبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت