الصفحة 1516 من 1990

فالثلاثة الذين كانوا حقيقة يريدون الخروج وأعدوا له العدة، فكان من حالهم ما تعلمون، لكن المنافقين جاءوا إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يحلفون له بالأيمان أنه ما منعهم إلا الحر، وآخر يقول: بنات بني الأصفر، وخاف الفتنة أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49] وقد كان ذلك، والذي يقول غير ذلك، فكل واحد يأتي بالأعذار، فظهر التفاوت الكبير بين الذين لو خرج رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أي مكان في الدنيا ما فارقوه قط، بل حتى وهم فيالمدينة، كما أخبر عنهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إن في المدينة رجالًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم مسيرًا إلا وهم معكم حبسهم العذر) .

فالمعذورون الذين في المدينة تتقطع قلوبهم أنهم لم يكونوا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا لهم من الأجر كما لو كانوا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل وادٍ ينزل فيه أو مكان أو مشقة أو جهاد أو نفقة، لأن قعودهم كان عن عذر، فلولا هذه الامتحانات وهذه الابتلاءات ووقوع هذا الخير، ووجود هذا الشر، لما ظهرت تلك العبوديات المتنوعة لله سبحانه تعالى، عبودية الصبر، وعبودية الجهاد، وعبودية كف النفس عن المحارم.

ألا ترون أن التبرج شر عظيم، وهو من أعظم أدواء الأمم، وما أصيبت أمة من الأمم بالتبرج والاختلاط، إلا وكان عاقبتها الدمار، فكل الحضارات الماضية لما تفشت فيها هذه الأمور دمرت، لكن مع أن هذا شر ويجب أن يقاوم وأن يحارب فيه وجه من الخير، فالذي يغض بصره عن هَؤُلاءِ المتبرجات ليس مثل الذي لم ير شيئًا فهو غاض النظر، فظهر في ذلك حكمة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -هذا وهو مكروه ومبغض- وهو أن هنالك من ترفَّع عن هذه الشهوات، وترفَّع عن هذه الرذائل، وينظر إِلَى ما عند الله ويقاوم هذا الشر ويحاربه، إذًا في هذا الشر حكمة ولوجوده حكمة.

عبودية التوبة والاستغفار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت