فهرس الكتاب
ثُمَّ يقول: [ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالّها خيرًا في نفسها] فقوله: [الموضوعة في محالها] تخرج بذلك فيما لو عاقبت إنسانًا بعقوبة، أو حدٍ وهو بريء، وإنما المقصود بقوله: [في محالّها] أي: المحل الذي وقعت في ذلك الرجل الذي عُوقب بهذه العقوبة، وذلك الحد، ثُمَّ يقول [لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة، مستعدة له] فطبيعة ذلك الإِنسَان لا تريد الألم، وإنما تسعد وترغب في اللذة والراحة، لكن حصل لها الألم بذلك الحد، ثُمَّ يقول: [فصار ذلك الألم شرًا بالنسبة إليها وهو خير بالنسبة إِلَى الفاعل، حيث وضعه في موضعه] أي: أنه خير بالنسبة إِلَى الفاعل، وكذلك للمجتمع جميعًا، حيث وضعت العقوبة في موضعها.
لا يوجد في خلق الله شر محض من جميع الوجوه
ثُمَّ يقول: [فإنه سبحانه لم يخلق شرًا محضًا من جميع الوجوه والاعتبارات] وهذا هو وجه تنزيه الله عن كون الشر ليس إليه، [فإن حكمته تأبى ذلك] أي أن الله تَعَالَى حكيم، وحكمته تأبى أن يخلق شرًا محضًا لا خير فيه بوجه من الوجوه، وإنما يخلق شرًا وفيه جوانب من الخير، ويحقق به حكمًا ومصالح، فَيَقُولُ: [فلا يمكن في جناب الحق تَعَالَى أن يريد شيئًا يكون فسادًا من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال] أي: محال عن ذي العزة والجلال المتصف بصفات الكمال، أن يكون هذا من شأنه [فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه] وهذا معنى نفي الشر عن الله وتنزيه عنه [والشر ليس إليه] .
[والشر ليس إليه] هذه اللفظة يفهمها أهل السنة فهمًا مغايرًا لفهم المعتزلة لها، يقول أهل البدع: إن معنى والشر ليس إلى الله أي: أنه لم يخلق أفعال العباد، فالعباد إذا عصوا وفعلوا الموبقات والمنكرات، يقولون: إن الله لم يخلقها، فإن قلنا: إن الله خلقها أو شاءها وقدرها، فنكون قد نسبنا الشر إِلَى الله، والشر ليس إليه.