فهرس الكتاب
فكيف يكون الندم عَلَى ما يقع؟! وكيف تكون التوبة مما وقع؟ وكيف ننكر هذا المنكر وهو إنما وقع بمشيئة الله، ولله فيه حكمة؟! فهذا هو المنزلق الخطير الذي، ضلت فيه طوائف كثيرة جدًا، وتقول الصوفية: لا بد أن يشهد الإِنسَان قدر الله، ويشهد الحكمة في هذه الأفعال التي تقع من العباد، ومعنى ذلك أنه يُسلم لكل ما يقع، وقد صرح أكثر الصوفية بعدم الاعتراض فيقولون: لا تعترض عَلَى أي شيء يقع، لأنك لا تبصر ولا تدرك سر الله تَعَالَى في القدر، وبعضهم إذا رأى منكرًا وقيل له: هذا منكر قَالَ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112] أي: اتركهم عَلَى منكرهم. هكذا زعموا، نعم لو شاء ربك ما فعلوه ولا شك في ذلك، لكن الذي شاء أن يقع هذا المنكر، أمر وطلب منك أن تنكره، فلماذا تأخذ الأمر من جانب واحد وتترك الجوانب الأخرى؟
من مضار هذا الفهم بالأمة الإسلامية
وقد وقع الانحراف الكبير في واقع حياة الأمة الإسلامية، وأدى إِلَى مصائب عظيمة وإلى حوادث فظيعة منها ما ذكره شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنه لما دخل هولاكو بغداد عاصمة الإسلام وهي أكبر مدينة في العالم في ذلك الوقت، وقتل فيها عَلَى أقل تقدير 800 ألف مسلم، وكلهم منأهل السنة، لم يقتل من الرافضة أومن النَّصَارَى أومن الباطنية أحدًا، لأن الوزير الذي دلّه وأدخله كَانَ رافضيًا.
وبعد أن قتلوا 800 ألف مسلم -بل ذكر بعض المؤرخين أنهم مليونين- خرج هولاكو وكان يمشي في شوارع بغداد، وإذا بشيخ أكبر الطرق الصوفية آخذ بعنان فرس هولاكو ويقوده بعد أن قَتل من قَتل، فرآه فقيه كَانَ متخفيًا ولديه شيء من الفقه، ولكن ليس لديه بصيرة كافية يقول: فرأيت الشيخ فخاطبته فقلت: أبأمرٍ هذا؟ قَالَ: نعم بأمر، فسكت، أي: أنه لم يفعل هذا من عند نفسهوَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82] .