الصفحة 1744 من 1990

أما قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ فإنها أيضًا تدل لمذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهو إثبات الرؤية، ولا تدل عَلَى ما ذهب إليه المعتزلة من نفي الرؤية، وتفصيل ذلك أن يقَالَ: إن هذه الآية جاءت في سياق التمدح والثناء من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى نفسه، وهو أولى شيء بالثناء، وهو المستحق لصفات الثناء والإجلال والمدح والكمال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلما أن أثنى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَى نفسه وتمدح بقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ دلَّ ذلك عَلَى أن هذا المعنى يندرج تحت قاعدة عظيمة من قواعد الأسماء والصفات وهي:"ليس في صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نفي -مطلق- عدمي، وإنما النفي يأتي لإثبات كمال وجودي"فلا نصف الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بالنفي المطلق، ولا يُمدح الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بالنفي المجرد؛ لأنه عدم.

وإنما يأتي النفي في القُرْآن والسنة في صفات الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لإثبات متعلقه ومتضمنه وهو إثبات صفة وجودية ثبوتية لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فالمدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وذكر المُصْنِّف أمثلة عَلَى ذلك، مثلًا: قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] هذا نفي يتضمن كمال حياته وقيوميته، فمن كمال حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وقد سبق أن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله، وهاتان الصفتان"الحي القيوم"تضمنتا جميع صفات الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ودلتا عليها، فالحي: دليل عَلَى جميع الصفات الذاتية، والقيوم: دليل عَلَى جميع الصفات الفعلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت