الصفحة 1770 من 1990

وأما إذا قلنا: إن الجهة أمر عدمي أو أمر اعتباري -وهذا هو الذي يقوله أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيقولون: إن الجهة أمر اعتباري وليس أمرًا وجوديًا- فالنملة إذا كانت تسير في هذا السقف فأين العلو بالنسبة لها؟ وبيتها وحبها وحياتها وكل شيء فوق -كثير من الحشرات تعيش فوق- فالعلو بالنسبة لها نحن، لكن نَحْنُ العلو بالنسبة لنا فوق، بالعكس إذًا الجهة عندما نقول:"العلو"هل هي أمر وجودي حقيقي أم أمر نسبي باعتبار إضافي؟ فبالنسبة للنملة نَحْنُ أسفل، لكن بالنسبة لنا هذا هو الفوق ونشير إِلَى النملة، ولكن النملة فوق بالنسبة لِمَا هو أسفل، وهكذا هذه قضية نسبية اعتبارية، والذي يجلس عَلَى يمينك يقول: فلان عَلَى يميني، وآخر يقول: فلان عَلَى يساري؛ لماذا؟

لأن الجهة ليست شيئًا موجودًا، ليس هناك شيء موجودًا اسمه الشمال، ولا شيء موجود محدود اسمه اليمين؟ ولا فوق ولا تحت؟ كلها أمور اعتبارية نسبية، فهذا يمين بالنسبة لهذا، وهذا يسار بالنسبة لهذا، وهذا فوق بالنسبة لهذا، وهذا تحت بالنسبة لهذا.

وبهذا نعرف أنه لا يلزم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من إثبات أن الله تَعَالَى فوق المخلوقات وإثبات العلو له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يكون محصورًا أو محدودًا في حيز وجودي يُسمى الجهة، ولكن بالنسبة للمخلوقات هو أعلى منها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أما الجهة بذاتها فليست شيئًا وجوديًا ماديًا محسوسًا خارجًا، ومن هنا فإنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت