الصفحة 299 من 1990

ونعود إِلَى الكلام عن توحيد العبد، حول الكلام عَلَى أن من عارض بين قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:60] ، وبين قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... [الشورى:11] ، فهو كما قال المصنف: ليس هناك أحد أضل منه.

لأن مثل هذا الضلال أفضى بابن أبي دؤاد -وكان وزيرًا للمأمون مقربًا عنده- إِلَى أن قال للمأمون لما عمل لباسًا للكعبة: اكتب عَلَى سترالكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم. وذلك لأنه يرى أن في قوله سبحانه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] تشبيه، وهذا لقلة عقله وفجوره.

-سُبْحانَ اللَّه! - أوليس للبشر أيضًا عزة وحكمة، كما لهم سمع وبصر؟ بلى والله، ولكنه الضلال والافتراء والبهتان، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] ، فيهم أيضًا صفة الحكمة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان:12] ، كما أن فيهم صفتي السمع والبصر، قال الله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإِنسَان:2] .

إذًا الفرق بين صفات الله وصفات المخلوقين: أن صفات الله تَعَالَى لائقة بجلاله وعظمته، وأن صفات المخلوقين لائقة بهم، لجهلهم ونقصهم وعجزهم.

كما قال أحد المعتزلة أيضًا: وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] -نعوذ بالله من الضلال-.

وهذا المعتزلي قيل إنه: عمرو بن عبيد، ومما نقل عنه أنه كَانَ دائمًا إذا قرأ هذه السورة يتضجر، ويريد أن لا تكون من القرآن، وسبب ذلك أن عقل هذا الفاجر الضعيف -سواء كَانَ هو عمرو أو غيره-، يقول: كيف ينزل الله هذه السورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] -وفيها دليل عَلَى أنأبا لهب سيموت كافرًا- وأبو لهب لا يزال حيًا وكأن فيها تعجيز؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت