فهرس الكتاب

الصفحة 12636 من 28557

ـ [سليمان الخراشي] ــــــــ [24 - Nov-2008, مساء 04:12] ـ

جميعُ الناظرين في حال الأمة الإسلامية لإصلاحه منذ أكثر من مئتي سنة تقريبًا متفقون على وصفه بالتأخر في المجالات"الدنيوية"، لا يُعارض في هذا أيٌ منهم؛ لأنه من البدهيات.

لكن الخلاف بينهم في ماهية هذا الإصلاح ووسائله: فمنهم من رأى أن الشريعة جاءت بتعظيم الجانب الديني والأخروي على حساب الدنيوي، وهذا - في نظره - من السلبيات! وله دور كبير في تأخر الأمة. ولكنه لم يستطع أن يجهر بهذا في البداية - لحساسيته -، فانصب نقده على"تصرفات"المسلمين، دون التعرض لمبادئ الشريعة .. ثم تطور به الحال إلى أن جهر بهذا، بل وصل إلى الإلحاد - والعياذ بالله -، ولعل عبدالله القصيمي يُمثل هؤلاء بجدارة، فقد بدأ ثائرًا على أوضاع الأمة، ناقدًا لتصرفات أفرادها،، في مسائل؛ كفهمهم للقضاء والقدر، والتوكل، والدعاء .. إلخ مايراه من المعوقات، وهذا حسَن لو توقف عنده وساهم في علاج تلك الأوضاع الخاطئة، دون خلطها بغيرها. لكنه خلط ولم يفهم بعضها الفهم الصحيح؛ فآل به الحال إلى أن اكتشف أن ثورته قد شملت بعض مبادئ الشريعة، من ناحية عدم تولية النصوص الشرعية الجانب الدنيوي حقه - بحسب زعمه! -؛ مما ورطنا في هذا"التخلف"!

فكان بين أمرين: إما أن يستمر في مخادعة النفس والغير بإلصاق ذلك بتصرفات المسلمين لا دينهم، وإما الثورة الجامحة على الاثنين:"التصرفات"، و"الشريعة".. فاختار الثانية إلى أن هلك، ولم يُثمر فكره للأمة نفعًا، سوى"التمرد"و"الصراخ"غير المجدي .. وهكذا سيكون حال من سيسير سيرته.

والبعض ممن يرى رأيه اختار الأولى، وهي الابتعاد عن حمى الشريعة، والاكتفاء بذم وشتم أهلها؛ لأنه لا طاقة له بتكاليف"الجهر"و"المواجهة".. وحاله لن يختلف كثيرًا عن القصيمي من حيث عدم الانتفاع من جهوده.

واجتمع الفريقان على اختيار تضخيم الجانب الدنيوي على حساب أمر الدين والآخرة؛ فقادهم هذا إلى الانكباب على ماعند الآخرين - دون تمحيص -؛ لعلهم يزاحمونهم - كما يظنون - في سباق"التقدم"و"التطور"؛ مما أدخل الأمة في صراعات وانقسامات ومنازعات؛ لا زلنا نعيش شيئًا منها - يطول الحديث عن تفاصيلها -.

ولو فهم هؤلاء جميعًا: النظرة الإسلامية للحياة عامة، ولأمر التطور والتقدم خاصة؛ لوفروا على أنفسهم وغيرهم والأمة جهودًا كثيرة مستنزفة.

وقد رأيتُ الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - قد ألمح إلى هذه النظرة، وتعرض لنظرة"المُتعبين"بأسلوب سلس رائق؛ أحببتُ نقله للقراء، ثم التعليق عليه، خاصة وأن نظرة أولئك لها"سماعون"من داخل صفوف أهل الخير والصلاح؛ ممن يُؤمل منهم - بعد الله - نفع الأمة وتسديد سيرها ..

الفكرة

يقول سيد -رحمه الله- عند تفسير قوله تعالى (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) :

(إن الإسلام -والإسلام وحده- هو الذي جعل لهم -أي العرب- رسالة يقدمونها للعالم. ونظرية للحياة البشرية، ومذهبًا مميزًا للحياة الإنسانية .. والأمة لا توجد في الحقل الإنساني الكبير إلا برسالة ونظرية ومذهب تقدمه للبشرية، لتدفع بالبشرية إلى الأمام.

وقد كان الإسلام، وتصوره للوجود، ورأيه في الحياة، وشريعته للمجتمع، وتنظيمه للحياة البشرية، ومنهجه المثالي الواقعي الإيجابي لإقامة نظام يسعد في ظله (الإنسان) .. كان الإسلام بخصائصه هذه هو بطاقة الشخصية التي تقدم بها العرب للعالم، فعرفهم، واحترمهم، وسلمهم القيادة.

وهم اليوم وغدًا لا يحملون إلا هذه البطاقة. ليست لهم رسالة غيرها يتعرفون بها إلى العالم. وهم إما أن يحملوها فتعرفهم البشرية وتكرمهم؛ وإما أن ينبذوها فيعودوا همَلًا -كما كانوا- لا يعرفهم أحد، ولا يعترف بهم أحد!

وما الذي يقدمونه للبشرية حين لا يتقدمون إليها بهذه الرسالة؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت