فهرس الكتاب

الصفحة 25188 من 28557

أن العارفين بحقيقة الهداية التي يتلوها (ولا أقول يطلبها ففرق بين الأمرين) كثير من الناس في الفاتحة أكثر من سبع عشرة مرة في اليوم والليلة ليدركون أنها تتمثل أولا في أن يرى المرء الحق حقا والباطل باطلا. لأنه إن لم يوفق لهذ ا فأنى له اتباع الحق واجتناب الباطل الذي ما هو إلا ثمرة لحقيقة الهداية.

وما تهافت أكثر الناس على كثير من المشتبهات والمحرمات وتفريطهم لصلاح أحوالهم إلا بسبب دورانهم في فلك الهوى وحظوظ النفس وعدم إقبالهم على تقوية إيمانهم واعتصامهم بخالقهم العظيم واقتدائهم بهدي نبيهم وإن كان ظاهر بعضهم الصلاح والاستقامة.

أخي , إن المسلك السديد والمنهج الرشيد في التعامل مع كل ما حولنا هو أن يستند الواحد منا إلى كتاب ربه وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.

(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فيعود عليه بالبصيرة والرشاد في الدنيا والفلاح في الآخرة.

فإن رأى الناس يتهافتون من حوله على حطام الدنيا تذكر قول الذين أوتوا العلم من قوم قارون (ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون)

وإن رأى تسابق الناس على المكاسب أيا كانت تذ كر قوله تعالى عمن من الله عليهم بالهداية و ابتلاهم بقلة الدنيا في أيديهم (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) وتالله إنه الفرح الذي لا يدانيه فرح يوم يصلح المرء فيكون كالغريب في زمان كثر فيه الخبث وقل فيه المعين على الخير.

ومن أعظم المزالق التي تزل فيها الأقدام وتنتكس الأحوال إلى الحور بعد الكور هو أن نحصر الحق في شخص أو أشخاص , حتى إذا زل هذا الشخص أو تقهقر , جاء الشيطان ليجلب بخيله ورجله قائلا:

"أهؤلاء حملة الدين الذين تزعم, يتساقطون الاحد تلو الآخر. لو أن ما كانوا عليه حقا ما باعوه بأدنى ثمن."

عليك بأولئك الأذكياء المجربين الذين يزنون الأمور بالعقل والحكمة والتجربة والاطلاع, فبهم ستنهض الأمة ويعلو شأنها"."

فيكون نكوص هذا الشخص سببا في زهدك في المنهج السديد الذي ارتضاه الله لبني البشر.

إذن فدر مع الحق حيث دار ولا تتعلق بالأشخاص كائنا من كان, وتذكر قول ابن عباس:

"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء, أقول: قال رسول الله, وتقولون: قال أبو بكر و عمر"

فما بالك بمن دونهما!!

ولو تأملت معي فإن هذا الحوار الذي أسميته سعارا وقد أصبت في تسميته قد أصاب أقطابه بالحمى التي أذهلتهم عن استماع بعضهم بعضا وجعلتهم يشتغلون بالتصيد والتخوين والتجهيل والتصنيف والتبديع .. بل والتكفير أحيانا.

ما ذا كانت النتيجة؟

كان الضحية هو الإنسان النقي البسيط الذي يبحث عن الحقيقة التي تسعده في الدنيا وتنجيه في الآخرة دون الاشتغال بالمعارك الكلامية والنضال من أجل الأحزاب والانتصار للرفاق.

ولا تجد أحدا من الفريقين ينبس ببنت شفة حيال الفساد الأكبر , بل ينهمك كل من الفريقين في تدبيج خطابات المديح والثناء والتملق!

إن الناس بسبب هذا الصراع المختلق ينصرفون عن ما ينفعهم في الدارين, وينشغلون عن أساس الفساد في أحوال العباد والبلاد. ولا أرى مستفيدا من هذا الصراع إلى السياسي ذي الكم الواسع الذي قد أودع فيه صندوق العدة التي يسخرها لترميم وتقوية أركان منزله الذي قد علاه التصدع. أما هذه العدة فلا يخفى عليك ما هي حقيقتها و ما أنواعها, وما عليك إلا أن تنظر إلى حال المجتمع سابقا وفي هذه الأيام. فقد كان بالأمس إقصاء كما هو اليوم إقصاء. ولكن الإقصاء بالأمس كانت له لحية مسدلة, أما إقصاء اليوم فهو أملس الخدين ويلبس قبعة أمريكية (مزورة بعناية لتناسب صندوق العدة إياه) .

ليس عندي أدنى شك أن القبعة الأمريكية الحقيقية تعلم بهذا التزوير وانتحال الشخصية, ولكنها تقول:

لا بأس بمثل هذا, ما دام أنه يقضي على ثوابتهم التي تتقاطع مع مصالحنا , وما دام أن ما يرتدونه ليس قبعتنا الحقيقية التي لو ارتدوها لكانت بدايتهم وكانت نهايتنا و نهاية مصالحنا عندهم.

هذا وقد يلبس الشيطان على كثير من الفضلاء أمثالك فيقول: ما فائدة الإنكار عند من لا يسمعون النصح بل لا يريدون سماعه ويشمئزون من رؤية من ظاهره الصلاح.

ولكن المنهج الحق الذي لا يتغير هو أن الإنكار بوسائله الثلاثة مطلوب حسب القدرة (بمعناها الإيجابي لا السلبي) .

بل إن الدين كما قال صلى الله عليه وسلم هو النصيحة.

وما آيات الأعراف عنا ببعيدة والتي أدعو نفسي وإياك وكل مسلم أن يقرأها ويتدبر معناها ويطالع تفسيرها (الأعراف 162 - 165)

لقد أرخيت لقلمي العنان لأني أعلم أني حين أتحدث أليك فإني أتحدث إلى نفسي .... ووالله لا أقول هذ ا تملقا وإنما هي مما يختلج في النفس أظهرته مكتوبا اليوم.

والذي نفسي بيده إني أحوج منك إلى هذا الكلام ولكن أردت أن أكتبه فأقرأه على نفسي لأني لا أجد من يحدثني به. وليكن بعد ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

,يبدو أنك يا أخي تعيش حالة من الإحباط لما ترى من الغثائية حولك, التي طالت حتى العلماء ,لكن ثق بالله ولا تسمح لليأس أن يفسد عليك أمور معاشك ومعادك , وانهمك في عمل مثمر يسرك أن تجده غدا يوم تقف بين يدي مالك الملك, واصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين.

,الله يتولانا وإياك ويمسكنا بالكتاب ويجعلنا ممن يعمل به ويدعو به وإليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت