فهرس الكتاب

الصفحة 25542 من 28557

النصح والتبيين لمن قال"ليس في الإسلام ما يمنع من قبول نظرية داروين".

ـ [أبو الفداء] ــــــــ [10 - Jun-2010, مساء 03:34] ـ

الحمد لله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، بث في الأرض من كل دابة، وخلق آدم بيده على صورته ونفخ فيه من روحه، ثم أسجد له الملائكة توقيرا ..

والصلاة على خير خلقه محمد النبي الأمي، خاتم النبيين والسلام عليه وعلى آله تسليما كثيرا ..

أما بعد، فإنه لا يكاد يخفى على أحد في هذا الزمان ما لنظرية داروين الموسومة (النشوء والارتقاء) من تأثير بالغ على أصول الفكر العلمي الطبيعي والفلسفي - بصورة عامة - في بلاد الغرب في زماننا، لا سيما في أوروبا، المتصدرة في بث أوحال الإلحاد في الأرض في كل مكان، والله المستعان.

ولا يبالغ في الحقيقة من يدعي أن علوما بأكملها - تخصصات علمية مستقلة - قد قامت على أساس تلك النظرية وحدها، لا سيما فيما بين حقلي علم الأحياء الطبيعي وعلوم البحث والتنقيب الحفري التاريخي (الأركيولوجيا) .. علوما تقوم أصولها - بكل ما فيها من مباحث - على تلك النظرية، قيام البناء على الأساس! ويكفي أن نشير ههنا على سبيل المثال إلى ما يسمى بعلم (الإحثاء) أو Paleontology وهو ذلك العلم المعني بدراسة ما يسمى بالتاريخ الطبيعي (وهو تاريخ ارتقاء الكائنات بعضها من بعض بناءً على نظرية داروين) ! فهذا العلم ربيب لتلك النظرية، فبقاؤه - كله بكل ما فيه من مباحث - مرهون ببقائها، وزواله بزوالها.

والمطالع كذلك لفلسفات الغرب خلال القرنين الماضيين يلمس بجلاء ما لهذه النظرية من تأثير في كافة حقولها عندهم، ولا تكاد اليوم تقف على كتاب من كتاب الفلسفة الغربية المعاصرة - حتى فلسفة الأخلاق والأديان - إلا وترى فيه تقريرا - بالتضمين أو التصريح - لتلك النظرية وبناءً عليها!

فكانت سنة الله في هذه الأمة كما قررها سيد المرسلين بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم .. إذ خرج علينا من يتبع سنن اليهود والنصارى في التعامل مع هذه النظرية الملعونة ( ... شبرا بشبر وذراعا بذراع) !

فمما يؤسف له أشد الأسف، أن نرى من عقلاء المسلمين من يضربه الوهن والهزيمة النفسية في مقتل، كما ضربت كثيرا من النصارى الغربيين من قبل، من علماء الطبيعيات والفلاسفة المتصدرين لمناقشة الملاحدة في دعاواهم المعاصرة، فإذا هم يتلمسون موطنا وسطا بين تلك النظرية وما جاءنا من خبر الخلق في نصوصنا، يرومون الجمع بين المتناقضين من حيث لا يشعرون!

يقول قائلهم - كما قالت النصارى من قبل:"ليس في نصوصنا ما يمنع من قبول أصل نظرية داروين وفكرة ارتقاء الكائنات من بعضها البعض بصفة عامة، فبوسعنا أن نقول إن ذلك كله إنما كان من تقدير الرب جل وعلا، مع استثناء خلق آدم عليه السلام لما جاء فيه من النص الصريح"!

ويقول القائل منهم (ينقل كلاما لا يعي حقيقته) :"الارتقاء Evolution حقيقة علمية مجمع عليها في سائر دوائر العالم العلمية، فلا يمكننا إنكاره، وإنما نقول إن الله قد خلق به خلقه على ذلك النحو البديع الذي نراه، في عملية طويلة دامت عبر بلايين من السنين على سطح الأرض"! (يقلد في ذلك دعوى علماء النصارى المشتغلين بالرد على الملاحدة في أوروبا، حذو القذة بالقذة)

بل رأينا من ذهب إلى أبعد من هذا، وخالف صريح القرءان وقال بما معناه:"لا مانع من قبول نظريات التاريخ الطبيعي بأكملها، والقول بأن آدم عليه السلام كان سليلا للقردة العليا، اصطفاه الله وذريته من جنس بدائي بائد، ليرتقوا إلى تلك المنزلة التي نراها الآن لبني آدم في الأرض"!!

فيا لله كيف اهتز اليقين في تلك النفوس المسكينة، في قضايا غيبية لا سبيل إلى الوقوف على خبرها وحقيقة ما جرى فيها - أصلا - إلا بنص من الرب جل وعلا، فراحوا يتأولون النصوص خرقا للإجماع وهدما لفهم الأمة عبر قرونها المتطاولة لما بين يديها من نصوص الوحي، وراحوا يتلاعبون بها تلاعب النصارى وغيرهم من أهل التحريف والتبديل، وكأنما وضعهم هذا"الدراوين"في مأزق وضيق عليهم الخناق وأحرجهم، فلم يجدوا إلى خروج من سبيل إلا بالرضوخ له ولمن صار يدين بدينه الجديد ممن أحكموا سيطرتهم على دوائر البحث الأكاديمي في أوروبا وغيرها، يقولون كما قالت قريش للذي بعثه الله فيهم بالحق،"نعبد إلهك يوما وتعبد آلهتنا يوما"!!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت