فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [سمير عبد الخالق] ــــــــ [04 - Nov-2010, صباحًا 04:30] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري
لفضيلة الشيخ ابن العيثمين رحمه الله رحمة واسعة
يقول المولى تبارك وتعالى في محكم تنزيله الكريم
أَلْهَكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسَْلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.
{ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} هذه الجملة جملة خبرية يخبر الله عز وجل بها العباد مخاطبًا لهم يقول: {ألهاكم التكاثر} ومعنى {ألهاكم} أي شغلكم حتى لهوتم عن ما هو أهم من ذكر الله تعالى والقيام بطاعته، والخطاب هنا لجميع الأمة إلا أنه يخصص بمن شغلتهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهم قليل، وإنما نقول هم قليل لأنه ثبت في الصحيحين أن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: {يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعين»، واحد في الجنة والباقي في النار، وهذا عدد هائل! إذا لم يكن من بني آدم إلا واحدًا من الألف من أهل الجنة والباقون من أهل النار، إذًا فالخطاب بالعموم في مثل هذه الآية جار على أصله، لأن الواحد من الألف ليس بشيء بالنسبة إليه، وأما قوله: التكاثر} فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكل ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدل لذلك قول صاحب الجنة لصاحبه: {أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا} [الكهف: 34] . فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخر مالًا وأوسع تجارة، وقد يتكاثر الإنسان بقبيلته، يقول نحن أكثر منهم عددًا، كما قال الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى وانما العزّة للكاثر
أكثر منهم حصى؛ لأنهم كانوا فيما سبق يعدون الأشياء بالحصى. فمثلًا: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف، والآخرون حصاهم ثمانية آلاف , صار الأول أكثر وأعز.
كذلك يتكاثر الإنسان بالعلم، فتجده يكاثر على غيره بالعلم لكن إن كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإن كان بالعلم غير الشرعي فهو إما مباح وإما محرم. وهذا هو الغالب على بني آدم التكاثر. فيتكاثرون في هذه الأمور عما خلقوا له من عبادة الله عز وجل. وقوله: {حتى زرتم المقابر} يعني إلى أن زرتم المقابر بالموت، يعني إلى أن مُتم، فالإنسان مجبول على التكاثر إلى أن يموت، بل كلما ازداد به الكِبر ازداد به الأمل، فهو يشيب في السن ويشب في الأمل، حتى إن الرجل له تسعون سنة مثلًا تجد عنده من الآمال وطول الأمل ما ليس عند الشاب الذي له خمس عشرة سنة. هذا هو معنى الآية الكريمة. أي: أنكم تلهوتم بالتكاثر عن الآخرة إلى أن متم.
وقوله: {حتى زرتم المقابر} استدل به عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ على أن الزائر لابد أن يرجع إلى وطنه، وأن القبور ليست بدار إقامة، وكذلك يذكر عن بعض الأعراب أنه سمع قارىء يقرأ: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} فقال: «والله ما الزائر بمقيم والله لنبعثن» ، لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع، فقال: والله لنبعثن. وهذا هو الحق. وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها. يقول عن الرجل إذا مات: «إنه انتقل إلى مثواه الأخير» ، إن هذا كلام باطل وكذب؛ لأن القبور ليس هي المثوى الأخير، بل لو أن الإنسان اعتقد مدلول هذا اللفظ لصار كافرًا بالبعث، والكفر بالبعث ردة عن الإسلام، لكن كثيًرا من الناس يأخذون الكلمات ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثة عن الملحدين الذين لا يقرون بالبعث بعد الموت، لهذا يجب تجنب هذه العبارة، فلا يقال عن القبر إنه المثوى الأخير؛ لأن المثوى الأخير إما الجنة، وإما النار في يوم القيامة. ثم قال الله تعالى: {كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون} قيل: إن {كلا} بمعنى الردع يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًّا، ومعنى {سوف تعلمون} أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة، وأن هذا التكاثر لا ينفعكم. وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
(يُتْبَعُ)