فهرس الكتاب
ج- يؤمن إخوان الصفاء بأن الحرية عماد الخيال، وأنه بوساطة هذه الحرية يتجوَّل دون قيد من زمان أو مكان. يقولون في ذلك: (إنها من أعجب القوى الدَّراكة، وإن العلماء تائهون في بحر هذه القوّة وعجائب متخيّلاتها. وذلك أن الإنسان يمكنه بهذه القوة، في ساعة واحدة، أن يجول في المشرق والمغرب، والبر والبحر، والسهل والجبل، وفضاء الأفلاك وسعة السموات، وينظر إلى خارج العالم، ويتخيّل هناك فضاء بلا نهاية، وربما يتخيل من الزمان الماضي وبدء كون العالم، ويتخيل فناء العالم، ويرفع من الوجود أصلًا، وما شاكل هذه الأشياء مما له حقيقة ومما لاحقيقة له) (20) . ويضيف إخوان الصفاء إلى ذلك مثالًا ذا دلالة هو: (أن الإنسان يمكنه أن يتخيّل بهذه القوّة جملًا على رأس نخلة، أو نخلة ثابتة على ظهر جمل، أو طائرًا له أربع قوائم، أو فرسًا له جناحان، أو حمارًا له رأس إنسان) (21) . ويمكن القول إن الحرية ليست سمة لازبة للخيال وحده، بل هي سمة للمناخ الخارجي الذي يتحرك الخيال فيه، سواء أكان المناخ اجتماعيًا أم سياسيًا. ذلك لأن القمع يؤثّر في الخيال فيجعل أجنحته مهيضة، ويتركه عاجزًا عن رسم الحوادث والمجتمعات، في حين تحرّضه الحرية على الانطلاق وارتياد الآفاق. وميزة إخوان الصفاء هنا أنهم لم يُقيِّدوا الخيال بما له حقيقة في الواقع، بل أطلقوه ليُعبِّر عما له حقيقة وعما لا حقيقة له.
كما أنهم لم يقيِّدوه بالفضاء، بل أطلقوه في الأرض أيضًا، ولم يقيّدوه بالمستقبل، بل جعلوه حرًّا في الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.