فهرس الكتاب
فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة, كما أن البدن الحي يكون شعوره واحساسه بالنافع والمؤلم أتم, ويكون ميله الى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم. فهذا بحسب حياة البدن, وذاك بحسب حياة القلب. فاذا بطلت حياته بطل تمييزه. وان كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار. كما أن الانسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك, الذي هو رسول الله (الملك الذي ينفخ الروح في الانسان بأمر الله) , من روحه, فيصير حيا بذلك النفخ. وكان قبل ذلك من جملة الأموات. وكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من الروح الذي ألقى اليه, قال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} النحل2, وقال: { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} غافر 15, وقال: { وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} الشورى 52. فأخبر أن وحيه روح ونور, فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول الملكي, فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان.
ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له احدى الحياتين وفاتته الأخرى, قال تعالى: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} الأنعام 122, فجمع له بين النور والحياة كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة. قال ابن عباس وجميع المفسرين: كان كافرا ضالا فهديناه. تفسير ابن كثير 2\172.
وقوله: { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} يتضمن أمورا:
أحدهما: أنه يمشي في الناس بالنور وهم في الظلمة, فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل فضلوا ولم يهتدوا للطريق. وآخر معه نور يمشي في الطريق ويراها ويرى ما يحذره فيها.
وثانيها: أنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون منه لحاجتهم الى النور.