فالغاية التي جعل الله الناسَ لأجلها شعوبًا وقبائل -كما تدلّ الآية- ليست التناحر والتنازع، ولكنها التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوّعٌ لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف، والوفاء بجميع الحاجات. فالناس أخوة في الإنسانية، لأنهم من طينة واحدة، وتنوعهم إلى شعوب وقبائل ليس أمرًا تتغير به حقيقة الإنسانية في الإنسان [1] .
وإذا كان القرآن الكريم قد اهتم ببناء العلاقات الإنسانية على المستوى الإنساني العام، فهو في الوقت نفسه لم يَغفل عن أهمية بناء هذه العلاقات في مستوياتها الداخلية، بدءًا بالعلاقة القائمة بين الزوجين، مرورًا بالأسرة والأقارب والجيران حتى المجتمع المسلم.
فعلى مستوى الحياة الزوجية مثلًا، فإن الشعور بالاستقرار الذي يجده كل واحد من الزوجين في الآخر نتيجة اتصالهما والألفة القائمة بينهما، يُعدّ حقلًا خصبًا لتربية العلاقات الإنسانية، وبيئة مهيأة لتغذية الصلات الاجتماعية، وهو ما يصوِّره قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [2] .
(1) انظر: قطب، سيد: في ظلال القرآن، (بيروت/القاهرة: دار الشروق، ط11، 1405هـ/1985م) ، ج6، ص3384.
(2) سورة الروم: الآية 21.