الصفحة 75 من 471

... ونصل في الحديث عن الجناس غير التام (الناقص) الى قوله تعالى { مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ - وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } [1] فالجناس في الآيات الكريمة يظهر في قوله (مجنون - ممنون) وهو جناس التصريف اللاحق ، فقد تماثل اللفظان واتفقا في الوزن واختلفا في التركيب بحرف واحد هو (الجيم) و (الميم) ، فعدل التعبير الى معنى مغاير للمعنى السابق يؤكد ذلك دلالة اللفظتين، فضلا عن الطبيعة الموسيقية لكل منها فاللفظة الأولى (بمجنون) ذات موسيقى قوية مدوية بفضل قوة حروفها وشدتها لتعبر عن فظاعة وشناعة ما ادعوه في رسولهم الكريم - صلى الله عليه وسلم - والصاق صفة الجنون ليتواشج مجيء الحروف الشديدة مع إيراد التعبير بصيغة النفي لينفي عن رسوله هذا الافتراء، يقابل ذلك تضاد واختلاف في اللفظة الثانية (ممنون) إذ جاءت حروفها سهلة لينة لتمنح النص نغمة محببة في النفوس تستلذ لسماعها. فانتقل التعبير من سياق القوة والشدة في الطرف الأول الى سياق اللين والسهولة في الطرف الثاني عبر تماوج في الحركة والنغم [2] .

... فالخصيصة الأسلوبية في النص الكريم ظهرت في هذه الانتقالات على صعيد الدلالة والصوت لتوكد المعنى المطلوب من الآية ، فالتماثل والتقارب بين حروف الكلمتين منح النص دفقا موسيقيا تعبيريا زاد من ثراء المعاني ، وزرع في نفس المخاطب الهزة والدهشة والإعجاب.

(1) ... القلم /2-3.

(2) ... ينظر: فواتح السور القرآنية دراسة بلاغية / 83-84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت