ومن تعابير المؤمنين الدالة على استيعابهم أن للحياة حركة: قولهم:
(وأمور الله جاريةٌ على أذلالها)
أي مجاريها وطرقها ومسالكها كما قال اللغويون، وهو مأخوذ من الطريق المذلل، أي الممهد.
ومعنى ذلك أنهم يدركون أن الحياة تحركها سنن تتكرر، وصيغ واقعية عديدة جعلتها دائبة سلسلة لا تنقطع، وتؤلفها تراكمات تجانست فأصبحت مثل العادة والعرف المألوف الجاري على رسله، وهذا التصور هو أحد التصورات الكلية لحركة الحياة التي نحرص على كشفها وتشخيصها، فإذا ميزناها وعرفناها صارت لنا عونًا على فهم واقعنا ومنهج تفرس في مستقبلنا، فنستعد ونخطط وفق هذه المعرفة ولا نرتجل، وتلك هي ثمرة وعينا لحركة الحياة.
هذه التراكمات والأعراف بعضها فيه بيان صنعة التنافس والحرب، وبعضها يبين التعاون والإنصات إلى نداء الفطرة وتحصيل المصالح، مما تقوم عليه يوميات الزواج وتكوين الأسر وفتح الأسواق وتسهيل التبادل، وما بين هذين الطرفين مئات الأنواع من التعامل والعلاقات والسياسات. وهذا تبسيط، لكنه ضروري لإدارك أصل وجوه الحياة.
واستطرد الأمر، حتى أن من وجوه ذلك: تأثير التوقيت الكوني الفلكي في نظام الحياة، فالحركة الكونية صارت دلالة على توقيت، منها ما هو ظاهر يفهمه لا الإنسان فقط، مثل مواقيت الصلاة عند الغروب والزوال، وإنما حتى الحيوان يفهمه، ويرتبط به يومه وسعيه، وهجرة الطير، ولكنه منه خفي يحتاج شيئًا من الذكاء والتفكير ليكون قرينة على معنى معين، مثل فهم وقت صلاة العصر عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليها والشمس ما تزال في قعر حجرة عائشة، أي عندما يكون ظل الشيء مثله، وذلك معنى يرتبط بشكلها الهندسي، إذ كان ارتفاع جدار الحجرة أقل قليلًا من عرض أرضها، كما شرح ابن حجر (3) ، فهذا الفهم مرتبط بجزء من حركة الحياة، وقريب منه توقيت صلاة العشاء بغياب القمر في ليلته الثالثة (4) .