الصفحة 83 من 442

وفي الواقع تعد الشعرية من الإنجازات المهمة التي تحققت في ظل البحث اللغوي الحديث ، فقد ارتكزت في مبادئها النقدية وأسسها العلمية ، على مرتكزات لغوية بالدرجة الأولى ، حيث انشغلت ببنية النص الأدبي باعتباره عملا لغويا . وقد تجلت وظيفتها في تتبع العلاقات الداخلية المتشابكة بين عناصره ، بغية تجليقوانينه التركيبية والدلالية التي تحكمه من ناحية ، وتحسس طاقاته الكامنة ، وإشعاعاته التأثيرية وإمكاناته تلك التي تلعب دورا أساسيا في إضفاء الشعرية على أجزائه المختلفة من ناحية ثانية , وهي إذ تقوم بالدراسة التفكيكية لمكونات العمل الأدبي ، فإنها تسعى إلى ذلك لأن قدرة الشاعر وبراعته إنما تتجلى أيما تجل في تخير ألفاظه , وفي إقامته للعلاقات الترابطية بينها ، على نحو يجاوز فيه حدود العبارة المحايدة . ولكن الشعرية لا تتوقف عند هذه الحالة التفكيكية فحسب ، وإنما تنتقل منها إلى حالة أكثر دقة وتعقيدا ، وهي حالة البناء والتركيب ، لتصل بذلك إلى وضع القوانين الكلية التي تحكم كل جنس أدبي على حدة .

والشعرية كمصطلح نقدي حديث ظل غامضا في الدرس النقدي العربي الحديث ، لا تحده حدود ، ولم يوضع له تعريف دقيق يضم كل دلالاته وإيحاءاته وإشاراته ، وإنما كانت هناك اجتهادات لبعض النقاد ، لا تتجاوز أن تكون اجترارا للفكر الغربي ، أو نقلا حرفيا لمقولات واضعي الشعرية في النقد الحديث ، أمثال"جاكوبسون"و"ودوروف"و"فاليري"وغيرهم .

لذلك أرى أن نعكف أولا على المعاجم اللغوية العربية لنبحث في جذرها اللغوي، ثم نبحث بعد ذلك في العلاقة بين الأصل اللغوي ، والمعنى الاصطلاحي في النقد الحديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت