فالنفي الصرف المطلق لا يقتضي المدح، أي: لا مدح فيه في لغة العرب، قال أحد الشعراء يهجو قبيلة:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
فهذا ليس مدحًا لهم، وإنما أراد أن يقول: إنهم ضعفاء عاجزون لا يؤذون أحدًا لضعفهم، ولا يغدرون إذا عاهدوا، ولا يظلمون الناس ولو حبة خردل لضعفهم وجبنهم، كما قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
أي: أن هناك علة، كعدم قدرة أو خوف، وذلك لأن الظلم من شيم النفوس، وهذا هو المعنى الجاهلي، وكما قال آخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا
أي: كأن الله لم يخلق أحدًا يخافه إلا قومه، ينفي عنهم الشر، وهذا ليس مدحًا لقومه، بل يهجوهم ويتهمهم بالضعف والخور والجبن والعجز .
فالله سبحانه وتعالى وهو أعظم من يُوصف ويُثنى عليه الثناء اللائق بجلاله، لا يوصف بمجرد السلوب .
فلا نقول: لا يظلم فقط؛ وإنما: لا يظلم لكمال عدله، والذين يصفون الله بالنفي المجرد فقط فقد وقعوا في ضلال في صفات الله سبحانه وتعالى، ووقعوا في إساءة الأدب مع الله سبحانه وتعالى .
فلو دخل أحد على ملك وأراد أن ينزه الملك، فقال: أيها الملك أنت لست بزبال، ولا كناس ولا طباخ، ولا حجام، فإن الملك سيؤدبه، والناس سيسخرون منه ويقولون: الملك في درجة عالية وأنت تخاطبه هكذا، فتنفي عنه أشياء حقيرة .
فكيف يوصف مالك الملوك بصفة سلبية أو إضافية، فيقولون: ليس بجاهل، أو يقولون: له علم، أو عنده علم، فيضيفون له العلم، ولا يقولون: إنه عليم .
لأنه يخيل إليهم أنهم إذا قالوا:"عليم"، أنهم قد أثبتوا شيئًا فيه تشبيه، أما إذا قالوا:"ليس بجاهل"فهذا مجرد نفي ولا يقتضي إثبات شيء .