هذا وإن دعوى تحرير المرأة وما يدور في هذا الفلك لمن أخطر تلك الدعاوى؛ ذلك أنها تمسُّ الأمة في صميمها، وتعمل عملها في سبيل القضاء عليها، وهذه الدعوى ليس بدعًا من القول يثار حديثًا، بل هي معركة قديمة قد أُثيرت ورُدَّت.
ولقد كان لحَمَلَة الأقلام من أهل الإسلام جهادٌ عظيم، وسعي مشكور في رد تلك الدعوى إبَّان قيامها؛ تلك الدعوى التي ظن أصحابها أنها الطعنة القاضية على المرأة المسلمة وكرامتها [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا] (الأحزاب:25) .
ومن أبرز أولئك الأعلام الذين كان لهم القِدحُ المُعَلَّى في رد تلك الدعوى أديب الأمة، وكاتب الإسلام الكبير مصطفى صادق الرافعي؛ حيث كان × حامل أدب الأصالة في زمانه، ورافع لواء البلاغة، والدفاع عن القرآن، واللغة العربية.
وكان سهم الإسلام النافذ في صدور الداعين إلى التبرج والسفور والرذيلة، ولهذا كان خصومه يرهبونه أشد الرهبة، ويحاولون كفَّ بأسه بالثناء عليه، وجعله إمامًا لأهل زمانه.
ومَنْ لا يدري ما الإيمان ولا الإخلاص قد يجيء على باله أن يشتري سكوت المؤمنين المخلصين بكلمة مديح أو إطراء.
والناظر في كتب الرافعي × يلحظ أنه أديب الأمة المسلمة، يُعبِّر بلسانها، وينطق عن ذاتها.
ولعل أبرز كتب الرافعي كتاب (وحي القلم) فهذا الكتاب آخر كتاب أنشأه، ولكنه _ كما يقول الأديب محمد سعيد العريان ضابط الكتاب ومصمم حواشيه _ أول ما ينبغي أن يُقرأ له، فهو كتاب يجمع كل خصائص الرافعي: الأدبية، والعقلية، والنفسية متميزة بوضوح في أسلوبه ومواضيعه؛ ففيه دينه وخلقه، وفيه شبابه وعاطفته، وفيه سمته ووقاره، وفيه غضبه وسخطه، وفيه فكاهته ومرحه في مجموعة فصول، ومقالات، وقصص من وحي قلمه، وفيض خاطره، فيها روعة الأدب، وسمو الفكر، وجمال البيان؛ كما أن فيه نظراتٍ في النفس، والكون، والحياة.