ولعل أقوى الأسباب في هذه المخاطر هو طمع الإنسان وأنانيته وعدم قدرته على ضبط غرائزه ومحاولته الدائمة للسيطرة على الموارد البشرية واستغلالها لصالحه فردًا كان أو مجتمعًا دون مراعاة لحقوق الآخرين ودون وعي لمحدودية الموارد أحيانا، ومن هنا ندرك أن النظام الأخلاقي في المجتمع البشري يعتبر الضامن الأول للمحافظة على مكونات الحياة البشرية ، فمتى ما سما هذا النظام واستمد مقوماته من مصادر إيمانية عليا كان ذلك عاملًا في رقي الحياة الإنسانية وسموها، ومتى ما انفلت الإنسان من سيطرة العوامل الروحية كان ذلك سببًا في دخوله في أزمات متعددة من شأنها أن تساهم في إنهاء دوره على هذه الأرض .
إن الإسلام وهو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله دستورًا نهائيًا للبشرية عامة قد اهتم بموضوع البيئة وأكد على المحافظة على كل مكوناتها ذلك أن نهائية هذه الرسالة وعموميتها صفتان ضمنتا للإسلام شموليته لكل مناحي الحياة مادية ومعنوية، وشموليته لكل ما يؤدي به إلى السعادة الأخروية، ولا شك أن البيئة بكل جوانبها تقع ضمن هذه الشمولية إن لم نقل إنها المرتكز فيها، وذلك لأن البيئة هي مسرح تحقيق الخلافة التي خلق الله الإنسان من أجلها، فمالم تتحقق شروط السلامة الكاملة للبيئة لا تتحقق الخلافة التي دعي الإنسان لتحقيقها .
إن المتمعن في آيات القرآن الكريم يجد أن موضوع البيئة يتردد صداه فيما يقترب من مائتي آية في سور كثيرة تتناول عناصر البيئة المختلفة من أرض وما تضمه من مكونات حية وغير حية وما يحيط بها من غلاف غازي وغيره، وبحار وما تحتويه من عوالم يصعب إدراك عظمتها، وكلها تدل على قدرة الله وعظيم صنعه"صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" [1] ، وعلى اهتمام هذه الرسالة الخاتمة بتبيان كل ما له صلة بتحقيق السعادة للإنسان وتسهيل مهمته التي أوكلها الله إليه وهي إعمار الأرض وتسخير كل ما فيها لخدمته .
(1) ... سورة النمل الآية 88.