والثاني: أنه يجمع لغير ذلك من الأسباب المقتضية للجمع، وإن لم يكن سفرًا وهو مذهب الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد. وقد يقال: لأن ذلك سفر قصير، وهو يجوز الجمع في السفر القصير، كما قال هذا بعض الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، فإن الجمع لا يختص بالسفر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة، ولم يجمع بمنى، ولا في ذهابه وإيابه، ولكن جمع قبل ذلك في غزوة تبوك، والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر، كما قصر للسفر بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النْزول، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة، وكان جمع عرفة لأجل العبادة، وجمع مزدلفة لأجل السير الذي جد فيه، وهو سيره إلى مزدلفة، وكذلك كان يصنع في سفره، كان إذا جدّ به السير أخّر الأولى إلى وقت الثانية، ثم ينْزل فيصليهما جميعا، كما فعل بمزدلفة، وليس في شريعته ما هو خارج عن القياس، بل الجمع الذي جمعه هناك يشرع أن يفعل نظيره، كما يقول الأكثرون. ولكن أبوحنيفة يقول: هو خارج عن القياس، وقد علم أن تخصيص العلة إذا لم تكن لفوات شرط، أو وجود مانع دل على فسادها، وليس فيما جاء من عند الله اختلاف ولا تناقض، بل حكم الشيء حكم مثله، والحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها.