الصفحة 83 من 432

... لقد حصل تغير كبير في حياة القبائل العربية بعد اعتناقها الاسلام وحملها لرسالته ونشرها بين اقطار الدنيا . ولاسيما بعد ان بلغت مسألة الفتوحات الاسلامية اقصاها، إذ إن احتكاك المسلمين بابناء البلدان والاقطار المفتوحة فرض عليهم الاستقرار في المدن والامصار، ونتيجة لهذا الاستقرار اصبح المسلم يطمح إلى الحياة الحضرية، وبذلك اصبحت القبائل العربية المسلمة مجتمعات مستقرة، لكنها مع ذلك لم تتخلص تمامًا من المفاهيم والقيم القبلية ، بل تبلور في ذهن اغلب ابناء القبائل العربية أنهم أعلى شأنا من بقية ابناء الدول والبلدان من غير العرب، ومما عزز هذا الامر الانتصار الساحق الذي حققته أولى طلائع الفتح لجيوش المسلمين على جيوش الامبراطوريتين العظيمتين (الفارسية والبيزنطية) ونتيجة لما سبق اصبح العربي يأنف من كثير من الامور والاعمال التي تقتضي من الانسان جهدًا عضليًا أو جسديًا كالحرف والمهن اليدوية، لذلك اصبح لزامًا الاعتماد في مثل هذه الامور والاعمال المهنية على غير العرب ، لكن مع ذلك فإن هذا الامر صرف ابناء القبائل العربية إلى الجهاد في سبيل الله أو إلى شيء آخر هو العلم والتعلم وذلك لغرض نشر مبادئ الدين الاسلامي الجديد، أو لاشغال مناصب مهمة وعالية في الدولة (كقاضٍ أو محتسبٍ أو كاتبٍ) وإن هذا الامر فرض على العوائل المسلمة ان تُرسل ابناءها إلى دور العلم والمعرفة لغرض اكساب الصبي العلوم والمعارف لكي يكون الولدُ ذا حضوة عند السلطان او الوالي او الخليفة مما يحقق له المستقبل الذي تطمح العائلة ان يحققه آبنها، لان الحياة الحضرية المستقرة فرضت على العائلة المسلمة ان تخطط لمستقبل ابنائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت