بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ لكلِّ شيءٍ من العلم، ونوعٍ من الحكمة، وصنفٍ من الأدب، سببًا يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتًا، ومعنىً يحدو على جمع ما كان منه متفرقًا. ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضمَّ كلِّ جوهرٍ نفيسٍ إلى شكله، وتأليف كلّ نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ودرس مستور كلِّ نادر.
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل:"لا يزال الناس بخيرٍ ما بقي الأول يتعلم منه الأخير".
وإنَّ السبب الذي بعث على جمع نتفٍ من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقَّد النار في أكبادها، أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه. ولم يزل