فهرس الكتاب
وإن أعترضوا فيما قلنا من المؤاخذة بما عمل في الكفر بقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [1] قلنا لهم هذا حجة لنا لأن من إنتهى عن الكفر غفر له وإن انتهى عن الزنا غفر له وإن لم ينته عن الزنا لم يغفر له فإنما يغفر له عما انتهى عنه ولم يغفر له ما لم ينته عنه ولم يقل تعالى إن ينتهوا عن الكفر يغفر لهم سائر ذنوبهم والزيادة على الآية كذب الله تعالى وهى أعمال متغايرة كما ترى ليست التوبة عن بعضها توبة عن سائرها فلكل واحد منها حكم فإن ذكروا حديث عمرو بن العاص عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الإسلام يجب ما قبله فقد قلنا أن الاسلام اسم لجميع الطاعات فمن أصر على المعصية فليس فعله في المعصية التى يتمادى عليها إسلاما ولا إيمانا كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) )فصح أن الاسلام والايمان هو جميع الطاعات فإذا أسلم من الكفر وتاب من جميع معاصيه فهو الاسلام الذي يجب ما قبله وإذا لم يتب من معاصيه فلم يحسن في الاسلام فهو مأخوذ بألاول والاآخر كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبهذا تتفق الأحاديث.
وكذلك قوله عليه السلام: (( والهجرة تجب ما قبلها ) )فقد صح عنه عليه السلام أن المهاجر من هجر ما نهاه الله عنه فمن تاب من جميع المعاصي التي سلفت منه فقد هجر ما نهاه الله عنه فهذه هى الهجرة التي تجب ما قبلها وأما قوله عليه السلام: (( والحج يجب ما قبله ) )فقد جاء أن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة فهذا على الموازنة التى ربنا عز وجل عالم بمراتبها ومقاديرها وإنما تقف حيث وقفنا الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وبالله تعالى التوفيق.
(1) سورة الأنفال ، الآية 38.