فإذن، إِبَاحَةُ الْمُبَاحِ مَثَلًا لاَ تُوجِبُ دُخُولَهُ بِإِطْلاَقٍ تَحْتَ اخْتِيَارِ المُكَلَّفِ، إِلاَّ مِنْ حَيْثُ كَانَ قَضَاءً مِنَ الشَّارِعِ، وَإِذْ ذَاكَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ تَابِعًا لِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَغَرَضُهُ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْتِ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ» [11] .
فالإباحة على ما سبق حكم شرعي، نقل الآمدي اتفاق المسلمين على ذلك وَبَيَّنَ أنه لم يخالف في ذلك إلاَّ بعض المعتزلة [12] .
وموضوعنا أخص من ذلك الحكم العام، موضوعنا: هَلْ فِعْلُ النَّبِىِّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَوْلُهُ أَوْ تَقْرِيرُهُ لِفِعْلٍ مِنَ الأَفْعَالِ يُعْطَى حُكْمًا شَرْعِيًّا؟ أقل ما يقال عنه: إنه رفع الحرج عن فعله؟ أو لا يعطى هذا الحكم؟.
«أَكَلَ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» [13] ، هل يفيد هذا إباحة أكل القثاء بالرطب أو لا يفيد؟ هل يفيد هذا جواز الجمع بين لونين من الطعام أو لا يجيز؟ لو سألنا المخالف: ما الحكم الشرعى لأكل القثاء بالرطب؟ هل هو حلال جائز؟ أو حرام ممنوع؟ ماذا يقول؟ لا مناص له من أنْ يقول: حلال جائز، فإذا قلنا له: ما دليلك؟ قال: فعله النبى - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
واذا سألنا المُخَالِفَ: ما الذي يدل عليه فعل الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفعل من الأفعال؟ لا مناص له من أَنْ يقول: يدل على مطلق الإذن الذي يشمل الوجوب والندب والإباحة ما لم يوجد دليل على تعيين واحد منها. إلى هذا ذهب جمهور الأُصُولِيِّينَ، وقال بعضهم: يفيد الوجوب إلاَّ إذا وجدت قرينة مانعة من الوجوب، وقال بعضهم: يفيد الاستحباب إلاَّ إذا وجدت قرينة مُعَيَّنَةٌ لغيره.
قال إمام الحرمين: «الأَفْعَالُ الجِبِلِيَّةُ التِي لاَ يَخْلُو ذُو الرُّوحِ عَنْ جَمِيعِهَا كَالسُّكُونِ وَالحَرَكَةِ وَالقِيَامِ وَالقُعُودِ وَمَا ضَاهَاهَا مِنْ تَغَايُرِ أَطْوَارِ النَّاسِ لاَ اسْتِمْسَاكَ بِهَا مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَيْ لاَ اِلْتِزَامَ بِالاِقْتِدَاءِ بِهَا وُجُوبًا أَوْ اِسْتِحْبَابًا) أَمَّا مَا عَدَاهَا مِمَّا يَقَعُ فِي سِيَاقِ القُرْبِ فَقَدْ ذَهَبَتْ طَوَائِفٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ وَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعَهُ فِيهِ، ... وَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ لاَ يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، وَفِي كَلاَمِ الشَّافِعِىِّ مَا يَدُلُّ عَلَىَ ذَلِكَ، وَذَهَبَ [الوَاقِفِيَّةُ] إِلَىَ الوَقْفِ» .
ثم قال: «فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الفِعْلَ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِيَ الاِسْتِحْبَابَ فَهُوَ زَلَلٌ، [فَإِنَّ الفِعْلَ لاَ صِيْغَةَ لَهُ] وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لاَ يَتَأَسََّى بِفِعْلِ المُصْطَفَىَ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ثَبَتَ قَصَدَ القُرْبَ فِيهِ فَقَدْ أَبْعَدَ [أَيْضًا] » .
ثُمَّ قَالَ: «وَأَمَّا فِعْلَهُ المُرْسَلَ، الذِي لاَ يَظْهَرُ وُقُوعَهُ مِنْهُ عَلَىَ قَصْدِ [القُرْبَةِ] (وَهُوَ
(11) "الموافقات"للشاطبي: 1/ 122 وما بعدها، بتصرف.
(12) "الإحكام في أصول الأحكام": 1/ 123.
(13) أخرجه"البخاري"/ كتاب الأطعمة - باب القثاء بالرطب.