فقلت: لقد بلغني ما أنت فيه ، وهذا أول دخولي بلدكم ، وآنا مجهول العين عندكم ، لا يعرفني أحد ، فإن أذنت لي أن آتي كل يوم في ثياب الفقراء ، فأقول عند بابك ما يقوله الفقراء والشحاذون ،فتخرج إليَّ عند بابك ، فلو لم تحدثني كل يوم إلا حديث واحد لكان لي فيه كفاية .
فقال لي: نعم على شرط ألاّ تظهر في الناس ولا يتعرف عليك أحد ولا تذهب إلى مجالس المُحدثين .
فقلت: لك شرطك .
فكنت آخذ عصًا بيدي ، وألف رأسي بخرقة متسخة وأجعل أوراقي في كمي ، وآتي بابه ، فأصيح: الأجر رحمك الله ، فيُدخلني بيته ويغلق بابه دوني ، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر ، فالتزمت ذلك حتى مات الخليفة الواثق الممتحِن .
وَوُليَّ بعده من كان على مذهب السنة الخليفة المتوكل ، الذي أظهر ميلًا عظيمًا إلى السنة ، فرفع المحنه و نصر أحمد ونكّل بأعدائه ، فظهر أحمد وعلت إمامته ، وكانت تُضرب إليه آباط الإبل ، حتى بلغ منزلة لم يبلغها ملك ولا قائد ولا أمير.
لم ينس الإمام أحمد معاناتي معه في طلب العلم فكان يعرف لي حق صبري ، فكنت إذا أتيت حلقته العظيمة ، وهو بين تلاميذه ، فسّح لي وأوسع لي في مجلسه ، ويقص على أصحاب الحديث قصتي معه ، فكان يقرأ عليَّ الحديث وأقرأه عليه .
وبلغ من تلطف ومراعاة الإمام أحمد به . أن بقي بن مخلد مرض ذات يوم ، فزاره الإمام أحمد هو وتلامذته . فلما دخل الفندق صاح الناس إمام المسلمين .. إمام المسلمين .. وامتلأ الفندق من أصحابه حتى لم يسعهم . فلما خرج أتاه صاحب الدار وأمر عمال الدار أن يتلطفوا به يقول بقي بن مخلد: وكانوا في تمريضي أكثر من تمريض أهلي لو كنتُ بين أظهرهم .
قام بقي بن مخلد القرطبي الأندلسي برحلتين إلى مصر والشام والحجاز وبغداد طلبًا للعلم ، أمتدت الرحلة الأولى أربعة عشر عامًا ، والثانية عشرين عامًا .ولقد كان ارتحاله كله من الأندلس وعلى قدميه .
كيف أصبح بقي بن مخلد عظيمًا ؟