ومن أمثلة هذه القرارات: الشهادة على النفس أو الآخرين، الاعتراف بالخطأ، قبول النُصح، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأصدقاء وأصحاب المناصب، الإنفاق في وقت العُسرة، التضحية بما يحبه المرء ..
نماذج مشرقة:
وإليك أخي القارئ بعض الأمثلة العملية من حياة الصحابة، والتي تؤكد هذا المعنى:
-جلس عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ بن سلول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ماء، فقال: بالله يا رسول الله، ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أَبِي، لعل الله يُطهر بها قلبه. فأفْضَلَ له، فأتاه بها، فقال له أبوه: فهلَّا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها، فغضب وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أما أذِنْت لي في قتل أَبِي؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل ترفق به وتُحسن إليه» ؟ [1] .
-وقال عروة: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك ذلك، فقال: لمَّا أتتني الوفود بالسمع والطاعة دخلت في نفسي نخوة، فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها [2] .
-عن أنس أن رجلًا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته فحمل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويُقدم ابنه معه، فقدما، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضربه، فجعل يضربه بالسوط، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين. قال أنس: فضرب، فوالله ضربه ونحن نُحب ضربه فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يُرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع السوط على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني، وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو: مُذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أُمهاتهم أحرارًا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتني [3] .
-وعن ابن عمر قال: اشتريت إبلًا وارتجعتها إلى الحمى فلما سمنت قدمت بها، فدخل عمر السوق فرأي إبلًا سمانًا فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل لعبد الله بن عمر، فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر: بخ بخ، ابن أمير المؤمنين، فجئت أسعى، فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قلت: اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال: ارعو إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، اغدُ إلى رأسِ مالك، واجعل الفضل في بيت مال المسلمين [4] .
إسداء النصيحة:
بعد انتصارات خالد بن الوليد المتتالية في العراق بعث إليه أبو بكر الصديق برسالة تهنئة ونصيحة فقال فيها:
«فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عُجب فتخسر وتُخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المَنّ وهو ولي الجزاء» .
وعندما أمَّر عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص على حرب العراق أرسل إليه وأوصاه فقال:
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17/ 199، وأخرج بن أبي شيبة في مصنفه حديثا بمعناه (ج 3/ ص 538 حديث رقم: 6627) .
(2) صلاح الأمة في علو الهمة للدكتور سيد حسين العفاني (5/ 435) .
(3) إسناده ضعيف: رواه ابن عبد الحكم في (فتوح مصر) ، كنز العمال (36010) .
(4) السنن الكبرى للبيهقي (6/ 147، 12156) ، وسنن سعيد بن منصور، ومصنف ابن أبى شيبة، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال (36006) .