منذ أن خلق الله الأرض، ووكل أمر خلافته فيها للإنسان كان الإنسان وكان الصراع بين الحق والباطل، وكان النور وكانت الظلمة، وكان الحق وكان الباطل.. ومع الأزمان أصبح الباطل تحت قيادة سيده إبليس يتخذ أشكالًا وألوانًا.
وقد وصل الإنسان إلى درجة السخافة يوم أن تنازل عن موقع السعادة والقيادة وصار يركع للجمادات والنجوم والشمس والقمر..
فخرج إمام التوحيد وصاحب معول الحق سيدنا إبراهيم × يضع للدعاة منهجًا دعويًا سليمًا في خطابه البسيط للعقول الساذجة، وهو يردد مقولاتهم الباطلة - على علم منه ببطلانها ولكن على سبيل الاتعاظ فقط: هذا ربي.. هذا أكبر.. ثم لما عجزت الآلهة المخلوقة بدأ يخاطب عقولهم وقلوبهم: لا أحب الآفلين، وتدرج بهم في الدعوة إلى أن هتف عاليًا بقوله: لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
وقال معتزًا بإيمانه وتوحيده: * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) & [الأنعام: 79] .
وهكذا أصبح إبراهيم إمامًا للموحدين وأبًا للباحثين عن الحقيقة على مدار التاريخ..
ودارت الأزمان، وبقي أصحاب العقول والقلوب الصافية يضعون أقدامهم على خُطى إبراهيم ×، فكان منهم ذلك الغلام الذي تحدثت عنه سورة البروج، ذلك الغلام الذي جلس إلى الراهب يسمعه ثم آمن بدينه وصار يدعو إلى الله على بصيرة، ولمَّا وجد أن شجرة التوحيد ستثمر إذا سقاها بدمه قام بعملية استشهادية كانت نتيجتها أن آمن الناس، ودُمرت كبرياء الضلال، وذابت فرعنة الكفر [1] .
وكان من أصحاب العقول والقلوب الصافية الذين يضعون أقدامهم على خُطى إبراهيم × وآمن بمحمد ^: سلمان الفارسي.
(1) راجع تفسير سورة البروج وتفاصيل قصة الغلام في كتب التفسير والحديث.