الصفحة 40 من 40

هذا الحديث في حكم زيارة المعتكف. فقد دل الحديث على إباحة زيارة المعتكف في معتكفه خاصة من قبل زوجه وأهله ولا حرج للمعتكف في الجلوس مع الزائر والحديث معه في الأمور المباحة. ولكن ينبغي أن تكون الزيارة على قدر الحاجة ويكره التطويل في الحديث والمسامرة لأن ذلك يؤثر على الاعتكاف ويذهب فائدته المرجوة والمشروع للمعتكف الاشتغال بالذكر والتلاوة والدعاء والتفكر والخلوة بربه والانجماع عليه بكليته والانقطاع عن الخلق إلا فيما يحتاج إليه من الكلام العارض. قال ابن رجب: (ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن بل الأفضل له الإنفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه) . قلت: وبهذا يتبين أن عمل كثير من الناس اليوم في اعتكافهم من إضاعة الوقت بالحديث والمؤانسة والمزاح فيه ضعف بصيرة وقلة فقه لمقصد الاعتكاف وتضييع لحق الله والله المستعان. وفيه حسن أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجه بالمشي معها عند الخروج خلافا لعادة المتكبرين الغلاظ. وفيه دليل على أن المشروع للإنسان البعد كل البعد عن مواطن الشبهة والريبة التي تجلب له التهمة وكلام الناس في عرضه خاصة إذا كان ممن يقتدى به لتحرز النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة من سوء ظن الرجلين بيان الواقع فإذا خشي المرء سوء الظن في حالة فليبين موقفه وسبب وجوده ليدرأ عن نفسه. وفيه أن الشيطان يتسلط على الناس ويؤثر عليهم في مواطن الضعف من فرح وحزن وغضب وشهوة وشبهة فلذلك يجب على المؤمن الحذر من كيده وهمزه ولمزه وخطواته ويتحرز بالذكر واتباع الشرع والأخذ بالحيطة.

وبهذا ينتهي ما أردناه من بيان كتاب الصيام من عمدة الأحكام.

والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد وآله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت