فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 598

هذه الأم هي التي ستقوم بتربية عيسى، وكان النبي زكريا - عليه السلام - ، زوج أخت مريم هو الذي أشرف على تربية مريم. وهكذا نشاهد الصلة التربوية بين الروحانيين العظام، وما أنجزوه وأثروا به في حياة الصادقين من تلاميذهم، مما يدلنا بأن الله وإن كان قد اختار رسله بعلمه وحكمته، إلا أن النبوة لم تأت إليهم إلا باتباع الأسباب، وسلوك الطرق التي تقود إليها عمليًا، بالتربية الصالحة، وسلوك طريق الشرائع الإلهية. ونحن نعرف أن المسيح - عليه السلام - كما تدل عليه سيرته، وما ورد عنه في الأناجيل، وما أكده القرآن، قد عاش ببساطة وحرمان وإيثار مَن حوله على نفسه، وابتعاد عن الشهوات الدنيوية، إذ كان همه الوحيد نشر رسالة الله بين الناس، كما هو حال الرسل جميعًا، مما يدل بأن وصول الرسل لمقام الرسالة لا يعني نهاية طريق الكفاح، والالتفات بعد ذلك للتنعم بالنعم الدنيوية، كما يفعل طلاب الشهادات العليا الذين بعد نجاحهم واحتلالهم مناصب التوجيه والإرشاد يقبلون على الدنيا إقبال الظامئين ليعوضوا عما حرموا منه أثناء الدراسة، أو مثل الثوار الذين يهجمون على الدنيا بعد نجاحهم هجوم الأباطرة. فالنبوة هي مقام لإعلاء راية الكفاح مع النفس قبل الآخرين، والرسالة هي ذوبان في إرادة الحق حتى التلاشي، وقبول العبودية الخالصة لله، حتى لو أدت بصاحبها إلى الهلاك في معارضة المعارضين وعدوانهم. إذ بعد الوصول إلى مقام الروح، وهي مقامات، يصبح فيها الحق لسانًا للعبد، ويتوحد الشاهد في شهوده للحق فلا يشهد سواه، لا بمعنى الحلول، وإنما بمعنى الطاعة والخضوع لشريعته، والرضى بأمره، لأن شهود الرسل مستمد من علمهم بما يشهدون، وإن اختلفت أدوات الشهود. فالشاهد لأمر ما قد يشهده بسمعه عندما يسمع صوتًا، وقد يبصره بعينه، أو حواسه الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت