فهرس الكتاب
ولهذا من المسلم به أن الصانع سيكون في الوجود وليس خارجه، أي في العالم. أما سؤالنا أين كان إذا كنا نقصد التحديد، الجهة أو المكان. فقد بينا بأن ما ندركه عن صفات العقل ومكان وجوده في جسم الإنسان لا يدل بأنه كتلة مادية في جسم الإنسان، فالعقل هو طاقة معرفية نورانية ندرك بواسطتها المعرفة ولا ندركه بالمعرفة، فهو هالة محيطة بالجسم ومتصلة بأعماق الكون. فنحن نرنو بنور العقل إلى معرفة الأكوان ومعرفة الله، ولا نعرف شيئًا عن ماهية العقل، إننا نكتشف بواسطته القمر، ونرسل المركبات إلى المريخ، ولا نعرف عن تركيب عقولنا شيئًا. صحيح أننا نستطيع أن نؤثر عليه أو نعطله بالتأثير على الدماغ أو الحواس. فهو لا يبصر الألوان إذا تعطلت العين عن المشاهدة، ولكنه ليس العين ولا الحواس ولا الدماغ وليس له مكان محدد في أجسامنا، ولن يستطيع أي عالم تشريح رغم معرفتنا بمكونات جسم الإنسان أن يقول لنا، إن العقل هو هذا العضو بالذات. قد يكون الدماغ هو مركز اتصالات وقد يكون مستودع المعرفة الإنسانية على اعتبار أن المعرفة الإنسانية هي"تَذكّر"كما قال أفلاطون، ولذلك فإنه ينسى كل شيء إذا أصيب الدماغ. إلا أن العقل كما يبدو، هو طاقة هائلة قادرة على الاتصال بكل أجزاء الكون. والمؤكد أنه ليس له مكان محدد في الجسم. وإذا قسنا الصانع على المصنوع، لأن المعلوم يدل على المجهول، فإننا سنستنتج بأن الصانع ليس له مكان، ولن يكون له مكان. ولو كان له مكان لكان جسمًا في الكون، أو ملكًا كالملوك الذين يجلسون في قصورهم، وبذلك سيغيب عن الصانع ما يغيب عن الملوك من الأخبار في ممالكهم التي قد يصيبها الفساد، والتي قد تتمرّد عليهم، وإن الجسم كما هو معروف يحتاج إلى الراحة. وهذا يتنافى مع قدرة الصانع المطلق كما نراها، ومع طبيعة العقل الكوني المطلق المتصل بكونه والمحيط به، كما يحيط عقل الإنسان بجسمه ويتصرف به.