فهرس الكتاب
بينما ينسبون خلق السموات والأرض والمخلوقات إلى الطبيعة، فهل الطبيعة قادرة على الخلق بالصدفة، أو لها من قوة فيضها الذاتي وخواصها ما يؤدي إلى رؤية ما نراه من خلق وإبداع ونظام في الكون، وأخيرًا من منح هبة العقل لكل عاقل؟.
إننا لا نخالف الطبيعيين فيما ينسبونه للطبيعة من خواص. مثلًا النار تحرق، الهواء ضروري لكل كائن حي. الماء أصل للحياة. إن الإيمان بالله لا يتعارض مع حرية البحث. ولكن خلافنا يتركز في نقطة جوهرية هو، هل الطبيعة المجرّدة قادرة على الإبداع بالاستفادة من كل المفاهيم التي تصورها داروين أو غيره من الماديين؟. وإذا كانت الطبيعة قادرة إلى هذا الحد على التصرف بذاتها دون عقل يوجهها، فهل تستطيع إذا كانت لا تملك العقل أن تبدع العقل الإنساني؟. إن المنطق يقول لنا لا. إذ لابدَّ من مقدمتين ورابط بينهما لحصول نتيجة متوافقة مع المقدمة الكبرى فإذا قلنا: كل إنسان فان+ سقراط إنسان= سقراط فان.
الفرع خاضع للأصل في القانون العام والخاص.
فإذا قلنا: الطبيعة لا تعقل+ الإنسان من الطبيعة= الإنسان لا يعقل
وإذا قلنا: الطبيعة تعقل+ الإنسان من الطبيعة= الإنسان يعقل
وإذا قلنا: الطبيعة لا تسمع+ الإنسان من الطبيعة= الإنسان لا يسمع
أما إذا قلنا: الطبيعة لا تفكر+ الإنسان ليس من الطبيعة=؟
هذا لا يقودنا إلى شيء. فالمفاض دائمًا يجب أن يكون فيه بعض سمات المفيض. وإن الطبيعة عندما تكون لا تفكر ولا تسمع ولا تبصر فكيف ستخلق مثل هذه الطبائع التي لا تدركها ولا تفهم معناها في مخلوق من صنعها. فهل يستطيع الأعمى أن يقود المبصر، وأن يسلك به على الطريق؟. إذا قلنا: الطبيعة خالية من الحديد+ الحديد من الطبيعة= ما هي النتيجة غير التناقض. فعلينا أن نصحح المقدمة الكبرى.
فإما أن ما نسميه حديدًا ليس هو الحديد. وإما أن الطبيعة تحتوي على الحديد.