فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 598

أي أننا بمعنى ما استرجعنا ما كنا صرفناه بصورة جديدة. وهذا بفضل العلم حيث نفذت القدرة وأثرت. ولكن علمنا لم يخلق الطاقة في المادة ولم يخترعها، وإنما اكتشفها، كما نكتشف الماء في الصحراء فنستثمره في الزراعة. وهذا هو فيض الإبداع الإنساني. إنه استثمار للفيض الذاتي للمادة، قابلية الخشب لصنع الكرسي هو الذي جعلنا نصنع الكرسي من الخشب. المادة لا تستطيع أن تقدم إلا فيضها الذاتي، والعقل المبدع هو الذي سيقوم بالإبداع باستخدام قابلية المادة، فيضها الذاتي. والعقل سيظل في تجرّده وطبيعته غير مؤثرة بالمادة إلا بالمادة. فالعقل الإنساني لا يستطيع أن يمارس تأثيره على المادة إلا بالوسائل المادية، اليد، الآلات التي ابتكرها. إذا فصلنا بين الإنسان وعقله، فإن العقل وإن كان على تماس أبدي مع المادة، إلا أن طبيعته لا تسمح له بأن يمارس عليها وفيها غير دور المعرفة، ولكنه بهذه المعرفة يصبح سيّدًا عليها ومتحكمًا فيها، فيوجه الحرارة على الماء لتسخينه، والهواء على ما هو ساخن لتبريده، وهكذا بواسطة طبائع أزلية ثابتة للمادة يمكن التحكم فيها، وابتكار ما لا وجود له فيها. كما ابتكرنا الحروف من تمايز نغمات الصوت وابتكرنا الكلمات، والصور الكلامية، للصور المادية، القديم منها والمستحدث. ولكن الكلام كان في قلب الإنسان، في فؤاده كما قال الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد ولكن ... وجد اللسان على الفؤاد دليلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت