فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 58

و أما قولهم: إن المتقدمَ أولى بالإعمال لاعتناء العرب به؛"فنقول: لو أعملوا الأول لراعوه من كل وجه، و أهملوا الثاني من كل وجه، و هذا نقيض الحكمة، بل جعلوا تقدم الأول عناية به من وجه، و إعمال الثاني عناية من وجه، فأعطوا لكل منهما حصةً من العناية، على أنا نقول: إعمال الثاني لا يمنع الأول شيئًا من العناية على أن لا تصير إلى إعمال الثاني إلا بعد إعطائنا الأول ما يستحقه إما مضمرًا فيه إن طلب فاعلًا، أو محذوفًا معه إن طلب مفعولًا بخلاف إعمال الأول، فإنا نذكر العامل الثاني قبل توفية الأول ما يقتضيه، فلو قيل بما ذكرنا إن إعمال الثاني أتم في الاهتمام بالأول من إعماله لم يبعد ذلك". ( [74] )

"و أما قولهم:"لو أعملنا الثاني لأدّى إلى الإضمار قبل الذكر"فنقول: إنما جوّزنا ههنا الإضمار قبل الذكر لأن ما بعده يفسّره لأنهم قد يستغنون ببعض الألفاظ عن بعض إذا كان في الملفوظ دلالة على المحذوف لعلم المخاطب، قال تعالى: { وَ الحَافِظِيْنَ فُرُوْجَهُمْ وَ الحَافِظَّاتِ وَ الذَّاكِرِيْنَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَ الذَّاكِرَاتِ ...} [الأحزاب:35] ، فلم يعمل الآخر فيما عمل في الأول استغناءً عنه بما ذكره قبل و لعلم المخاطب أن الثاني قد دخل في حكم الأول، و قال اللّه تعالى: { أَنَّ اللَّهَ بَرِىْءٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ وَ رسُوْلُهُ ...} [التوبة:3] ، فاستغنى بذكر خبر الأول عن ذكر خبر الثاني". ( [75] )

و أما قولهم: أنا رأينا العرب تراعي المتقدم في قولهم:"عندي ثلاثة ذكور من البط ...""فنقول: ما ذكرتم دليل لنا لا لكم؛ لأن العرب راعت فيه الأقرب إلى العدد فذكرته إذا تقدم (الذكور) أقرب إليه، و أنَّثتْه إذا تقدم (البط) لقربه منه أيضا، ثم ذكرتم معارض بقول العرب: (علمتُ لزيدٌ منطلقٌ، و علمتُ أ زيدٌ منطلقٌ، و علمتُ ما زيدٌ منطلقٌ) ، فإنهم راعوا الثاني في اللفظ لقربه دون الأول". ( [76] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت