إن وقفة مع بعض ما حفظته السنة من تعامل الصحابة وتلقيهم الحي للقرآن العظيم يعجب منها الإنسان ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول الله جل وعلا: ?لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ? (1) هذه الآية يحفظها كثير منا ويقرؤها كثير منا لكنها لا تستوقف أكثرنا وذلك لأننا نقرأ القرآن لا على وجه التلقي لما فيه من المعاني نقرأ القرآن طلبًا للأجر بقراءة لفظه دون نظر إلى ما تضمنه من المعنى، صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنزل الله جل وعلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية التي فيها إثبات الملك لله عز وجل إثبات ما في السماوات وما في الأرض له سبحانه وتعالى وأنه جل وعلا يحاسب الناس على ما دار في صدورهم وما جال في نفوسهم ولو لم يتكلموا به و لو لم يعملوا صحابة رسول الله لما سمعوا هذا اشتد عليهم الأمر فأتوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين ثم بركوا على الركب أي جلسوا على الركب من شدة ما جاءهم في هذه الآية فقالوا: يا رسول الله كلفنا من العمل ما نطيق: الصلاة، الصيام، الجهاد، الصدقة -أي كل هذا نطيقه- وقد نزلت علينا آية لا نطيقها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤدبًا هؤلاء معلمًا لهم كيف يتلقون القرآن، كيف يتلقون كلام رب العالمين، قال لهم - صلى الله عليه وسلم:"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا" (2) فما كان منهم رضي الله عنهم إلا أن انقادوا إلى توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا
(1) …البقرة: 284.
(2) …أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان برقم 179.