فهرس الكتاب
ولو لم يكن ثمةَ حقيقة مطلقة يمتلكها أحدٌ فيحتكر فيها الصواب ؛ لكان أمرُ اللهِ بلزوم الحقِّ واتِّباعه عبثًا لا معنى له ؛ لأنه على ضَوءِ هذا المبدأ حقٌ لا وجود له إلا في الذِّهن ، وأما في الواقع فهو نسبيٌ يصح أن يكون حقًا في عقلٍ ، باطلًا في عقل آخر! ، والله تعالى يقول: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153] ولنتساءلْ: أين هذا الصراطُ المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه إذا كانت الحقيقة نسبية ؟! ، وأين هي تلك السبل الضالة التي حذرنا من اتباعها إذا كانت الحالة كذلك ؟! .
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة: 213] ، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: « قال الربيع بن أنس: { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } أي: عند الاختلاف ، أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل عند الاختلاف » (54) .
ثم إنه لو كانت الحقائقُ كلُّها نسبيةً ، ليس فيها شيءٌ مطلقٌ لا يصح لأحدٍ أن يحتكر الصواب فيها ؛ لما جاز أن يُهلِك اللهُ سبحانه الأممَ السابقة على تكذيب رُسلها ؛ ولو كانت الحقائق كلها نسبيةً ليس فيها قطعيٌ يقينيٌ لما جاهد النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكفارَ على أصول الإيمان ، ولعذرهم على مخالفتهم .