الصفحة 3 من 18

2 ـ بوسع المرء أن يشم في الرواية التي أوردها البخاري وهي المشهورة، شبهة سياسية، لا لوم للبخاري عليها ما دام قد قصر مهمته على اعتبار السند لا غير، هذه الشبهة هي ما نسب لابن عباس من أنه قال لعلي لما أحرق الزنادقة: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تعذِّبوا بعذاب الله". ولقتلتُهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من بدَّل دينه فاقتلوه". هذه الرواية لا تذكر من هم هؤلاء الزنادقة! وهو قول فيه طعن صريح في تصرف علي. وسواء نطق ابن عباس بهذه العبارة أو نسبت إليه، فهي عبارة زائدة لا موجب لها(اللهم إلا إذا كانت وراءها دوافع سياسية أو مذهبية"."

3 ـ هناك شبهة أخرى تتعلق بأحد شروط رواية الحديث وهي البلوغ. كان ابن عباس طفلًا عمره ما بين العاشرة والخامسة عشرة، يوم توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وخصوصًا أنه يروى عن نفسه أنه قال:"مات النبي وعمري عشر سنين"، ومعلوم أن سن البلوغ هي ما بين السابعة عشرة والثامنة عشرة. )

يقول الجابري: لنستبعد الشك في صحة الحديث المذكور، فقتال المرتدين زمن خلافة أبي بكر واقعة تاريخية لاشك فيها. ولكن لابد من التمييز بين المرتد الذي يغير دينه كشخص ليست له أية دوافع أخرى غير اقتناعه الشخصي الديني، وحكمُه، كما ورد في الآيات السابقة، عقابٌ أخروي لا غير.

أما المرتد بدافع خارجي، خارج مجال الاعتقاد المحض، فشيء آخر، وهذا ما عنيناه بـ"خاص الخاص"في هذه المسألة. ذلك أن المرتدين الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه بوصفه رئيسًا للدولة لم يكونوا مجرد أشخاص غيروا عقيدتهم، بل كانوا أناسًا أعلنوا التمرد على الدولة، فامتنعوا عن دفع الزكاة ، بل لقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ نظموا أنفسهم للانقضاض عليها. فـ"المرتد"بهذا المعنى هو من خرج على الدولة، إسلامية كانت أو غير إسلامية،"محاربًا"أو متآمرًا أو جاسوسًا للعدو... الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت