فهرس الكتاب
لقد ألمح البحث غير مرة إلى أن أحد الأسباب المهمة لوقوع الاختيار على هشام لخلافة أبيه هو ما عُرف عن توافر صفات وتوجهات خاصة فيه. ويقدم المؤرخون صورا عديدة عن تلك الصفات والتوجهات؛ مما يساعد ليس على فهم شخصيته بعمق فحسب، بل على تقويم أثره في الأعمال التي قام بها خلال حكمه القصير للأندلس (172-180هـ/788-796م) . وفي هذا الشأن يلمح بعض المؤرخين إلى صفات الجدة والتقى والحرص على مصالح الرعية؛ بيد أن هؤلاء، وهم يعدون تلك الصفات فيه، يعزون سبب اتصاف هشام بها يعود إلى نبوءة تنبأ بها أحد المنجمين بأن مدته في الحكم ستكون ثمانية أعوام أو نحوها. [1] إن معرفتنا بأسبقية اتصاف هشام بتلك الصفات من قبل توليه الحكم، كما ألمح البحث إلى ذلك سابقا، يدفعنا إلى التقليل من واقعة النبوءة، كعامل لتحول هشام إلى الصفات الحسنة التي عُرف بها؛ فالسمات الأخلاقية التي اتصف بها، إبان توليه الحكم، لم تكن بأي حال طارئة عليه، ولكنه كان متصفا بها، كما تؤكد على ذلك المعلومات المتواترة عنه في أيام شبابه؛ ولكن فيما يبدو أن ما أغرى الذين قبلوا بقصة النبوءة، هو الخلق النادر الذي دونته الكتابات التاريخية عنه، إذ يندر أن تتحدث مدونة عن هشام إلا وتبرز الجانب الأخلاقي النادر فيه. [2]
(1) الضبي، المعجم، انظر كذلك سياق الرواية عند المقري، نفح الطيب، 1: 334-335. وقد رد هشام على تلك النبوءة بقوله: يا ضبي ما أخوفني أن يكون النذير كلمني بلسانك، والله لو أن هذه السنوات كانت في سجدة لله تعالى لقلت طاعة له". ويستطرد المقري قائلا:"إن هشاما زهد في الدنيا، والتزم أفعال الخير"."
(2) من الصعب استعراض جميع ما قيل عن هشام وصفاته، ومن الإطالة أيضا ذكر الإحالات، وعليه فنحن نكتفي بما قاله ابن عذاري، البيان المغرب،2: 65-66، ففيما قاله الكفاية وكذلك مثال لما أطنب فيه المؤرخون..