وبذلك تتحول المجتمعات إلى ركام مادي تتهاوى فيه القيم الأخلاقية وتنهار العلاقات الإنسانية ، وتشيع الأنانية وحب الذات ويصبح المجتمع حينئذ غابة كبرى القوي فيها يأكل الضعيف ، ويطغى الكبير على الصغير .
ولتلافي هذه المخاطر والسلبيات لا بد ( لأي مجتمع من قانون يضبط علاقاته ، ويعاقب من انحرف عن قواعده سواء أكان مما نزل من السماء ، أم مما خرج من الأرض ، فالضمائر والدوافع الذاتية لا تكفي وحدها لعموم الخلق ، والمحافظة على سلامة الجماعة ، وصيانة كيانها المادي والمعنوي ، وإقامة القسط بين الناس ) (1) .
والقانون المنظم لحياة البشر ـ بطبيعة الحال ـ يلزمه جهات قضائية تقوم بتنفيذه وتشرف على سريانه في حياة المجتمع ، وتحميه من عبث العابثين . ومن هنا تكون للقضاء أهميته في حضارة الشعوب وتقدمها وأصالة حياتها وحسن جوارها وطيب تعايشها الاجتماعي ، وهو معيار ذلك والدليل على اعتباره . ذلك أن القضاء ميزان الادعاء ، ونبراس العدل وملاذ المظلوم والسد المانع لأنواع المظالم والغصوب والتعديات . وبقدر ما يكون للقضاء من هيبة وسلطة ونفاذ في أي مجتمع ما فإن لذلك المجتمع نصيبه الموازي لذلك القدر من السعادة والرخاء / وتوافر مسالك الحياة الأفضل لكافة أفراده ، كما أن له نصيب من الاحترام والتقدير والثقة والاطمئنان إلى التعامل معه من المجتمعات الأخرى (2) .
ولكن أي قضاء هذا الذي يساهم في بناء الحضارة ويساعد على تقدم الشعوب ويعين على أصالة الحياة وطيب التعايش الاجتماعي ؟
وأي قانون يا ترى يكون نبراسا للعدل وملاذا للمظلوم وسدا مانعا لأنواع الظلم والغصوب والتعديات ؟
(1) ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده . د/ يوسف القرضاوي صـ 157 ، ط مكتبة وهبة 1414ه ـ 1993م
(2) القضاء في الإسلام . الشيخ عبد الله بن سلمان بن منيع . مجلة البحوث الإسلامية بالسعودية عدد رقم 8 صـ 173 الصادر في نوفمبر 1983م .