الصفحة 2 من 23

لقد ارتبط موضوع القضاء بسياسة المجتمعات والحفاظ على نظامه العام، فعد القضاء حجر الزاوية في صلاح المجتمع إذا كان عادلا، كما عدّ من أعظم أسباب خرابه إن كان جائرا. وارتبط مصطلح القضاء بالحوادث التي تطرأ على المجتمع والتي تحتاج إلى حل شرعي يجمع بين الاحتكام إلى شرع الله تعالى والتفاعل الحسن مع الواقائع المتغيرة، وهو ما عبر عنه علماؤنا، بفقه الفهم وفقه التنزيل. وارتبط بمصطلح الاجتهاد والحركة الحيوية للفقه الإسلامي. ومن جهة أخرى ارتبط مصطلح القاضي بمصطلح المجتهد فسوى جل الأصوليين بين شروط القاضي وشروط المجتهد، وهو ما يجعله أقدر من غيره على القيام بهذه المهمة، وارتبط اسم القاضي في التاريخ الإسلامي بشخصيات فذة كانت لها بصمات واضحة على صفحة هذا التاريخ المشرق، فارتبط القضاء بالإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال عنه عمر بن الخطاب رضي عنه،"أقضانا علي"، وارتبط بمعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وشريح وأبي يوسف وغيرهم ممن مثلوا نموذجا يقتدى به في جمع القاضي لكل مؤهلات التصدر لهذه المهمة النبيلة والخطيرة في آن واحد، لأن النبي T قال: «القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة. رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار» (1) ، ولأهمية تأهيل القاضي الشرعي تأهيلا يجعل منه حارسا للدين مقيما للعدل واعيا بمقتضيات عمله ومتطلبات المرحلة التي يعيشها، كان حتما على الجهات المسؤولة عن مهمة تأهيل القضاة الشرعيين أن تضطلع بجهد نوعي، لا يوازي فقط المؤسسات التأهيلية الغربية أو العلمانية، وإنما يفوق هذه المؤسسات ويمثل منارة لها. وعليه فإن هذه الورقة

(1) انظر الترمذي: سنن الترمذي، حديث رقم1322، وأبو داود: سنن أبي داود، حديث رقم3573، والبيهقي: السنن الكبرى، حديث رقم20141، والهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج4، ص196، وقال رجاله رجال الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت