بينما السماع الذي يعرض للإنسان ، بحيث يسمع أناسًا أُذِنَ لهم في الغناء - كالنساء والصبيان ، في العرس مثلًا - ثم يصل صوته للشخص الذي لم يؤذن له بالسماع - كالرجال - فإن الإنسان يؤمر بعدم الإصغاء والتلذذ بذلك ، وأما مجرد وصول الصوت ، فلا يؤمر الرجل بسدِّ أذنيه ، أو مغادرة مكان حفل العرس - مثلًا - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذِن لعائشة - رضي الله عنها - أن ترقى على ظهره لتستمع إلى غناء الحبشة، انظر ما رواه البخاري (454) ، ومسلم (892) ، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسمع له ، ولكن لم يكن يستمع له، ولهذا لم يقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على إنكاره على وصول هذا الصوت إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل قال:"دعهما يا أبا بكر: إن لكل قوم عيدًا، انظر ما رواه البخاري (3931) ، ومسلم (892) وهذا عيدنا".
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في مجموع الفتاوى (11/565) :"وليس في حديث الجاريتين أن النبي - صلى الله عليه وسلم استمع إلى ذلك ، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع ، كما في الرؤية ، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير الاختيار ، وكذلك في اشتمام الطيب ، إنما ينهى المحرم عن قصد الشم ، فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه ، وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس ، إنما يتعلق الامر والنهي من ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل ، وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي ، وهذا مما وجه به الحديث الذي في السنن عن ابن عمر أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمع صوت زمارة راع فعدل عن الطريق، وقال: هل تسمع ؟ هل تسمع ؟ حتى انقطع الصوت انظر ما رواه أبو داود (4924) ، وأحمد (4535) فإن من الناس من يقول - بتقدير صحة هذا الحديث - لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه ."