الصفحة 108 من 182

لقد غاب عن الأذهان أن الحق ملازم للواجب، وأن الشعب هو الذي يخلق ميثاقه ونظامه الاجتماعي والسياسي الجديد عندما يغير ما في نفسه.

إنه لقانون سامٍ! ... (( غيِّرْ نفسكَ فأنت تغير التاريخ ) )لكن في عام (1936) ، وحينما خرق العلماء هذا القانون، فإن التحول توقف وتلاشى في السراب السياسي.

لم يعد الكلام حول الواجب دائمًا بل حول الحقوق فقط. ولا داعي لمواصلة الحديث حول النتيجة النهائية لسياسة المطالبة التي عبر عنها بوضوحٍ صمتُ الأحزاب الوطنية في الساعات الحرجة عام (1939) ، وتشرين الثاني"نوفبر"عام (1942) [1] . وبدلًا من أن تظل البلاد حقلًا لجهودنا المتواضعة والفعَّالة المثمرة كما هو حالها منذ عام (1925) ، فقد غدت منذ عام (1936) مؤتمرًا ومعرضًا انتخابيًا، حيث في كل مقهى قاعة استماع، وكل منضدة منبر خطابة.

لقد غدا الشعب مستمعًا، قطيعًا انتخابيًا، قافلةً عمياء ضلت طريقها المرسوم عبر الفكرة؛ فتاهت في مسارب الأوثان.

ياله من احتيال! .... لا يزال مستمرًا [2] ؛ لأن الوثن إذا كان لابد زائلًا بسبب عدم فاعليته؛ فإنه كاليرقة تتجدد على كل الأشكال في المناخ الملائم حيث تترعرع المرابطية التي تنتج الصنم.

ولقد رأينا هذه الظاهرة أثناء الثورة الجزائرية، فالنخبة المثقفة الجزائرية لا تتمحور إيديولوجيًا حول الفكرة الثورية، وإنما حول أصنام ألصقت بها بعض الصحافة هذه الفكرة. وهذا يعني أننا لم نُشف بعد من هذا المرض. وينبغي

(1) المقصود هنا قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 وسقوط مدينة باريس بأيدي الألمان عام 1942.

(2) اقتبست هذه السطور من كتابنا"شروط النهضة"الذي نشر عام (1947) ، أي قبل الثورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت