…أما أن بعض الدعاة سكن الغرب أو أرض الأموال فتلك توزيعات المقدر لا تمنعها ، إنما تعيب الحرص على سكانهما، والاستقتال في ذلك وجعلهما منتهى الأماني ، فوق أن من سكنهما بين مرتبط بعلاقات إسلامية نافعة ليس من مصلحة الدعوة إنفكاكه عنها، أو تشابكت حياته بقضايا قانونية واجتماعية ليس من السهل الإنسلال منها ، ثم هي مصدر تمويل خيري ، ومن التكلف المصطنع أن تفتعل نقل داعية مسترسل في حياته ووظيفته ورزقه بحجة قسوة المحيط ، ولكن نصيحة غير المتورط بعد: أمر آخر.
…وما نظن نصيحتنا هذه بدعة ، بل الوقاية من آثار المال النفسية هي سبيل قديم للمؤمنين ، وسنة من سننهم نحاول أن تحببها وكان الحسن البصري، رحمه الله ، يقسم ويقول:
… ( والله لقد أدركت أقواما لو شاء أحدهم أن يأخذ هذا المال من حله: أخذه فيقال لهم: إلا تأتون نصيبكم من هذا المال فتأخذونه حلالًا ؟ فيقولون لا ، إنا نخشى أن يكون أخذه فسادًا لقلوبنا) (2) .
…وجعل ابن الجوزي ذلك رأس القواعد الإيمانية ، فقال:
القناعة بما يكفي ، وترك التشوف إلى الفضول: أصل الأصول).
ثم قال:
( والعز ألذ من كل لذه ، والخروج عن ريقه المنن ولو يسف التراب أفضل) (3) .
* أساتذة الزهد الجديد
…ومن المصطفين الذين رآهم الكيلاني يمشون إلى قدام: نفر من رهطنا نبلاء أمنا ، يكاد الأمير يخلي مكانه لهم لو لا الشروط ، وبهم نفخر.
…منهم داعية من بين جاه ومال ، ورباه الدلال ، وكان يحصل كل شهر على ألف دينار من الحلال، ثم هاجر ، وتشرد وافتقر،ووجد نفسه فجأة ولي أمر عدد من المهاجرين ، يرعاهم ويقتسم معهم رغيفه ويشرب من بعدهم وشلهم ، فيقلق حاله الضلاء ، فيشفعون له لدى رجال الأعمال، ثم يدعونه إلى رحيل حيث تنتظره وظيفة جيدة ، فيأبى ، ويختار المرابطة مع إخوانه، يربيهم، صابرًا على الابتلاء ، والنجيبة معه محتسبه.