الصفحة 1 من 2

في مقابلة مع جريدة"المسلمون"العدد602 الصادر بتاريخ 2/ 4/1417هـ سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن قضية طاعة ولي الأمر وقضية البيعة، ونشرت الجريدة أجوبة منسوبة للشيخ حول تلك الأسئلة، ونظرًا لخطورة تلك الأجوبة وكونها صادرة عن شيخ يأخذ عنه كثير من الناس كان لابد من البيان، والإشارة إلى ماجاء مما يجب التنبيه إليه فإن البيان واجب وتأخيره إثم، وسعيًا لتحقيق ذلك فإننا سننشر قريبًا بإذن الله مناقشة تفصيلية للكلام الخطير الذي قاله الشيخ وفي هذا العدد نكتفي بتوجيه مجموعة من الأسئلة مبنية على أجوبته تلك حتى يعلم أنه أدخل نفسه وأدخل معه الحكام والشعب في إشكالات شرعية يصعب الخروج منها:

قال الشيخ في معرض ردّه على سؤال حول طاعة ولي الأمر: (وإذا فرضنا على التقدير البعيد أن ولي الأمر كافر فهل يعني ذلك أن نوغر صدور الناس عليه حتى يحصل التمرد والفوضى والقتال، لاشك أنه من الخطأ المصلحة التي تحصل غير مرجوة في هذا الطريق، المصلحة التي يريدها هذا لايمكن أن تحصل بهذا الطريق بل يحصل بذلك مفاسد عظيمة لأنه مثلًا إذا قام طائفة من الناس على ولي الأمر في البلاد وعند ولي الأمر من القوة والسلطة ما ليس عند أحد ما الذي يكون، هل تغلب هذه الفئة القليلة؟ لا تغلب بل بالعكس يحدث الشر والفوضى والفساد ولا تستقيم الأمور، والإنسان يجب أن ينظر أولًا بعين الشرع، ولا ينظر أيضًا إلى الشرع بعين عوراء ينظر إلى النصوص من جهة دون الجهة الأخرى، بل يجب أن يجمع بين النصوص) !!

والسؤال الموجه للشيخ هنا: هل كلامك هنا يافضيلة الشيخ بمثابة فتيا بمعنى أنه توقيع عن الله؟ أم هو لغو وحديث مجالس؟ وإذا كان بمثابة فتيا فهل بُني هذا الكلام على منهج شرعي أُعمل فيه الفهم الصحيح للنصوص الشرعية الثابتة من الكتاب والسنة؟ أم هو قول بالرأي والعقل والمصلحة دون اعتبار للنصوص الشرعية؟

فإن كان مبنيًا على نصوص شرعية فأين هي هذه النصوص التي لاتجيز توغير الصدور على الحاكم الكافر؟

بل أين هي هذه النصوص التي تجيز عدم توغير الصدور على الكفار حكامًا ومحكومين وبغضهم في الله؟!

فإن كان الشيخ مع ذلك يدعي أن كلامه مبني على دليل شرعي فإننا نطالبه بدليل واحد من الكتاب والسنة يؤيد ما ذهب إليه. . .

ثم نوجه سؤالًا آخر للشيخ هو: كيف يجد الشيخ لنفسه مساغًا أن يخالف إجماع المسلمين؟ فقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على وجوب الخروج على الإمام الكافر!!، لاحظ ليس مجرد الجواز بل وجوب الخروج، والخروج يقصد به القتال وما شابهه وهو أمر أكبر بكثير من مجرد إيغار الصدور.

وسؤال آخر كذلك: هل يُعتبر محمد صلى الله عليه وسلم مخطئًا"حاشاه"حسب فتوى الشيخ لأنه جعل منابذة الحاكم الكافر مشروعة في أحاديث صحيحة؟ ومن المعلوم أن المنابذة أعظم بكثير من مجرد إيغار الصدور.

وأما إذا كان الشيخ أفتى بذلك بناءً على الرأي والعقل والمصلحة، مع وجود الأدلة الشرعية التي تدل على خلاف ذلك وعن علم ومعرفة ومخالفة صريحة للنصوص لما في ذلك من مصلحة يراها، فهل يعنى ذلك تخلي الشيخ عن منهج أهل السنة الذي لا يجيز مطلقًا تفضيل العقل على النقل؟ وهل انضمّ الشيخ إلى الفكر المعتزلي ومدرسة المصلحة التي سادت حديثًا في بعض بلاد المسلمين؟

ولماذا يجيز الشيخ لنفسه العمل بالمصلحة هنا ولا يجيز للدول التي ينتشر فيها البناء على القبور والبدع الصوفية ولا تتدخل في منعها خوفًا من فتنة اجتماعية؟ وقد صرّح الشيخ في نفس الجواب بانتشار ذلك في بلاد أخرى، أفلا اعتبر السكوت عنه أكثر قبولًا من المصلحة التي ادّعاها؟!

وأما في السؤال الآخر حول البيعة: فقد قال الشيخ: (لا شك أن هذا خاطئ وإذا مات فإنه يموت ميته جاهلية لأنه سيموت وليس في رقبته بيعة لأحد والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية أن الله يقول {اتقوا الله مااستطعتم} فإذا لم يوجد خليفة للمسلمين عمومًا فمن كان ولي أمر في منطقة فهو ولي أمرها وإلا لو قلنا بهذا الرأي الضّال لكان الناس الآن ليس لهم خليفة ولكان كل الناس يموتون ميته جاهلية، ومن يقول بهذا؟ الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة تعلمون أن عبدالله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام وكذلك في اليمن أناس وفي مصر أناس ومازال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه ويبايعونه ويدعونه بأمير المؤمنين ولا أحد ينكر ذلك فهذا شاق لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم) !!

وهذا الكلام ينبني عليه عدة أسئلة:

السؤال الأول: هل يعني كلام الشيخ أن كل الحكام الذين تحت سلطتهم مسلمين أمراء للمؤمنين تجب بيعتهم ومن لم يبايعهم مات ميتة جاهلية؟ وهل يعني هذا أن بيعة بي نظير بوتو واجبة على المسلمين في الباكستان وبيعة سوهارتو واجبة على المسلمين في أندونيسيا وبيعة القذافي واجبة على المسلمين في ليبيا؟! وهل سيموت المسلمون في تلك البلاد ميته جاهلية إذا لم يبايعوا؟ وماذا عن صدام حسين هل هو أمير للمؤمنين لأهل العراق وهل بيعته واجبة؟ وإذا كان أميرًا للمؤمنين لقومه فهل يعني ذلك أن دعم آل سعود للمعارضة العراقية وتوفير الدعاية والإعلام لهم وتزويدهم بالإذاعات والأموال والسلاح تحريش على أمير من أمراء المؤمنين؟!

بل دعنا نذهب أبعد من ذلك: هل يعتبر نتنياهو أميرًا للمؤمنين في فلسطين وهل يعتبر جون ميجر أميرًا للمؤمنين في بريطانيا وكلينتون أميرًا للمؤمنين في أمريكا؟!

وما هو حكم المسلمين الذين يعيشون هناك إن لم يبايعوا؟ هل سيموتون ميتة جاهلية؟!

وإذا كان الجواب بالنفي، بمعنى أن البيعة ليست واجبة على المسلمين تحت سلطة بوتو ولا سوهارتو ولا صدام حسين ولا رفسنجاني بل ولا نتنياهو ولا كلينتون، فما هو الأساس الشرعي الذي جعل البيعة واجبة على أهل بلد دون سواهم؟

ثم أليس من الواجب الشرعي بناءً على ذلك أن يصدر الشيخ بن عثيمين قائمة بالدول ذات البيعة الواجبة والدول ذات البيعة غير الواجبة أو غير الجائزة حتى لا يموت الناس ميتة جاهلية؟!

وهنا سؤال آخر: إذا كان كل من لم يبايع مات ميتة جاهلية وكان في بلد لا تجوز فيه البيعة الشرعية فهل يعني ذلك وجوب هجرته لبلاد الحرمين؟ وهل ينبني على ذلك وجوب فتح"التابعية"السعودية لمن يريد الهجرة من أجل أن يبايع ويحمي نفسه من الميتة الجاهلية؟ وهل يُعتبر آل سعود سببٌ في ميتة الناس ميتةً جاهلية إذا لم يوفروا لهم الملجأ والجنسية؟

وسؤال آخر هام حول دعوى الشيخ أن القائل بخلاف ذلك مخالف لإجماع المسلمين هو أين إجماع المسلمين الذي يدعيه الشيخ ومن نقله من العلماء؟ وهل يعني مخالفة إجماع المسلمين أن من لا يبايع بي نظير بوتو خارج عن إجماع المسلمين؟!

وفي معرض جوابه عن قضية البيعة قال الشيخ: (ثم إنه إذا بويع الإنسان بالإمرة على بلد من البلاد ثم جعل له ولي عهد فهو ولي عهده من بعده إذا انتهت ولاية الأول صار الثاني ولي أمر بدون مبايعة ولا يُصلح الناس إلا هذا، لو قلنا أن ولي العهد ليست له ولاية عهد حتى يبايع من جديد صارت فوضى لكن مثل هذه الآراء يلقيها الشيطان في قلوب بعض الناس من أجل أن تفترق جماعة المسلمين ويحصل التحريش الذي بينه الرسول عليه الصلاة والسلام إذ قال:"إن الشيطان قد آيس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم")

والسؤال مرة أخرى: ماهو دليل الشيخ على أن بيعة ولي العهد تعطيه ولاية بعد انتهاء ولاية الأول دون مبايعة؟

وهل أخطأ الصحابة حين بايعوا عمر رضي الله عنه بعد وفاة أبي بكر ولم يكتفوا بعهد أبي بكر ويعتبروا تعيينه لعمر حاكمًا لا يفتقر إلى البيعة؟ فإذا كان تعيين عمر -وهو من هو- من قبل أبي بكر -وهو من هو- قد افتقر إلى بيعة ورضا من المسلمين، أفلا يكون افتقار غيره للبيعة أولى؟ وهل عمل الصحابة ذلك رأي ألقاه الشيطان من أجل أن يحرّش بين المسلمين؟!

وإذا كان الشيخ بنى فتياه هذه على رأي ومصلحة فهل يعتقد فعلًا أنه أصاب المصلحة؟ أو ليس بمثابة الذي ينكر على آل سعود كل بيعاتهم السابقة حيث لم يكتفوا بتعيين ولي العهد بل أكدوا البيعة بعد انتهاء"ولاية"السابق؟

ثم ألا يعلم الشيخ أنه يحرّش بين آل سعود في هذه السابقة الغريبة فهو يتدخل بشكل سافر في الصراع على المُلك في الأسرة الحاكمة ويؤكد مسبقًا قبل وفاة الملك فهد أن عبدالله هو الحاكم إذا ما انتهت"ولاية"فهد بوفاة أو نحوها دون بيعة؟!

ثم هل يجوز أن يثير الشيخ هذه القضية دون إذن مسبق من ولاة الأمر؟! فعلى حد علمنا فإن آل سعود لايريدون لأحد أن يثير هذه القضايا حتى لا تدخلهم في إشكالات تضرّهم، وسبق أن استدعى الأمير سلمان الشيخ سعد البريك ووبّخه في إثارة نفس هذه التساؤلات وانتشارها في أشرطة مسجلة فبناءً على ذلك هل يعتبر الشيخ مثيرًا للفتنة حين يتكلم بلا إذن من"ولي الأمر"؟!

هذا كله فضلًا عن السؤال الأصلي حول شرعية تعيين ولي العهد على أساس وراثي فهل يعتبر الشيخ ذلك أمرًا مشروعًا في ذاته أم يعتبره من جنس الإمام المتغلب الذي يقبل به المسلمون لا عن رضًا وشرعية بل دفعًا للفتنة؟

فإذا كان الشيخ يرى أنه أمر مشروع في ذاته فلماذا غابت تلك الشرعية عن المسلمين منذ محمد صلى الله عليه وسلم ولم يفطن لها إلا معاوية رضي الله عنه؟

وإذا لم يكن الأمر مشروعًا في ذاته لكن تصح الإمامة بعد التغلب لكل واحد على حدة، فلماذا يقول الشيخ أن تعيينه وليًا للعهد لا يفتقر إلى بيعة جديدة؟

ومرة أخرى يثار السؤال هل هذا قول شرعي مبني على نصوص من الكتاب والسنة أم أنه الرأي والعقل والمصلحة؟!

يجب أن يعلم الشيخ أنه أثار أسئلة أكثر من الأسئلة التي أجاب عنها وأنه صنع فتنة خطيرة بهذه الأجوبة الخطيرة، ولا فتنة أعظم من الحيدة عن الكتاب والسنة والنصوص الشرعية ودلالاتها الصحيحة بحجة الرأي والعقل والمصلحة ...

[عن نشرة الإصلاح24 بتاريخ26 أغسطس1996م]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت