تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف، فيكون التخفيف في موضعه أفضل، والتطويل في موضعه أفضل، ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل، وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم، وجزاه عنا أفضل ما جرى نبيا عن أمته، وهو اللائق بمن اقتدى به، وأئتم به صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث معاذ فهو الذي فتن النقارين وسراق الصلاة، لعدم علمهم بالقصة وسياقها، فإن معاذا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الاَخرة، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بهم سورة البقرة. هكذا جاء في الصحيحن من حديث جابر:"أنه استفتح بهم بسورة البقرة، فانفرد بعض القوم وصلى وحده فقيل: نافق فلان؟ فقال: والله ما نافقت، ولاَتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ: أفتان أنت معاذ؟ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؟". وهكذا تقول: إنه يستحب إن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها. فأي متعلق في هذا للنقارين وسراق الصلاة؟ ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الاَخرة وبعد مابين بني عمرو بن عوف وبين السمجد، ثم طول سورة البقرة، فهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهو موضع الإنكار، وعليه يحمل الحديث الاَخر"يا أيها الناس. إن منكم منفرين"ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ممن يصلي بقدر صلاته، وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته، فهذا الذي ينفر.
وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر، كصلاة المنافقين، وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة، بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بد بها، فهؤلاء لا عبرة بنفورهم، فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم، ويسعى في خدمته أعظم السعي، فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به، فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءا يسيرا من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق، استثقل ذلك الوقوف، واستطال وشكا منه، وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى، ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه، فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه، والله المستعان.
*2*290 ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه
@862 ـ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا إسْمَاعِيلُ أخبرنا يُونُسُ عن الْحَسَنِ عن أنَسِ بنِ حَكِيمٍ الضّبِيّ قال: خَافَ مِنْ زِيَادٍ أو ابنِ زِيادٍ فأتَى المَدِينَةَ فَلَقَى أبَا هُرَيْرَةَ، قال فَنَسّبَنِي فَانْتَسَبْتُ لَهُ، فقال: يَا فَتَى ألاَ أُحَدّثُكَ حَدِيثًا؟ قال قُلْتُ: بَلَى رَحِمَكَ الله. قال يُونُسُ: وأحْسَبُهُ ذَكَرَهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ أوّلَ مَا يُحَاسَبُ النّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أعْمَالِهِمْ"