فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 107

يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب (يعني"سنن أبي داود") فأشار إلى النسخة وهي بين يديه: «لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب: لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة. وهذا كما قال شك فيه: لأن الله تعالى أنزل كتابه تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [1] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب إلا أن البيان على ضربين: بيان جَلِيٌّ تناوله الذكر نَصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي وهو معنى قوله سبحانه: لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان» . اهـ.

الوجه الثالث - وقد حكاه الألوسي [2] عن بعضهم: أن الأمور إما دينية أو دنيوية. والدنيوية لا اهتمام للشارع بها: إذ لم يبعث له. والدينية إما أَصْلِيَّةٌ أَوْ فَرْعِيَّةٌ. والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية: فإن المطلوب أولًا بالذات من بعثة الأنبياء هو التوحيد وما أشبهه، بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى، كما يشهد له قوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [3] بناء على تفسير كثير"العبادة": بالمعرفة. وقوله تعالى - في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية: «كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ. فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لأُعَرِّفَ» (*) والقرآن العظيم: قد تكفل بالأمور الدينية الأصلية على أتم وجه. فليكن المراد من «كُلِّ شَيْءٍ» ذلك.

(1) [سورة الأنعام، الآية: 38] .

(2) في"تفسيره": ج 14 ص 197.

(3) [سورة الذاريات، الآية: 56] .

(*) قال ابن عراق في"تنزيه الشريعة": ج 1 ص 148: قال ابن تيمية: «موضوع» [الناشر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت