‹
الصفحة 51 من 51

)من ألْقى وَرَقَةٍ بِخَطٍّ دَقِيقٍ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْفَظُ من اللُّغَة مَا لم يحفظه أحد فِي زَمَانه وَلَا يعده إِلَى وَقْتِنَا هَذَا، وَهَذَا جَمِيعُ كُتُبِهِ فِي اللُّغَة: الجمهرة والاشتقاق وَغَيْرُهُمَا، مِنْ حِفْظِهِ وَمَا رَأَى أَحَدٌ مَعَهُ كِتَابًا قَطُّ، وَلَهُ مِنَ الشِّعْرِ مَا لَيْسَ لعالم قبله، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يستحضر علمه ويحضر نَفسه. وَذكر لي بَعْضَ غِلْمَانِهِ - ابْنِ بِسْطَامَ أَوْ غَيْرِهِ - تَطَاوَلَ عَلَى رَجُلٍ فَزَجَرَهُ، وَقَالَ: مَا الَّذِي يَعْجِبُكَ من نَفْسِكَ أَوْ يَعْجِبُكَ مِنِّي إِنَّ جَمِيعَ مَا يحفظه وَأكْثر مِنْهُ يَحْفَظُهُ رَاعٍ مِنْ رُعَاةِ الْعَرَبِ.

وَوَرَدَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ فَقَادَ إِلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ فَرَسًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الرَّحِيلَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلامِ، حَمَلَ إِلَيْهِ مِائَةَ دِينَار وأنشده: (وهون جدي إِن الْفِرَاق بَيْنََنَا ... فِرَاقُ حَيَاةٍ لَا فِرَاقُ مَمَاتٍ) فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، اجْتَهِدْ وَاطْلُبْ وَاسْهَرْ وَلا تَدَعْ أَحَدًا يَسْبِقُكَ فِي علمك وَلَو تشق نَفْسِكَ، فَإِنَّ الرَّفِيعَ مَنْ كَانَ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ ذَا عِلْمٍ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحدهمَا تَركه النَّاس، وَرَأى أَعْقَابهم.

وَنحن نقُول: إِن صَاحب السُّلْطَان إِذا نظر حق النّظر، لم يمنح سُلْطَانه عوضا عَن الْعلم، فَإِن عز صَاحِبَ السُّلْطَانِ إِنَّمَا يَدُومُ لَهُ مَا دَامَ فِي سُلْطَانِهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ ذلَّ، وَعِزُّ الْعَالم يَدُوم لَهُ فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته، وَلِهَذَا كَانَ فُضَلاءُ السَّلاطِينِ

يجتهدون فِي طلب الْعلم مَعَ كَثْرَة أشغالهم ولانغماسهم فِي الدُّنْيَا. وَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ قَالَ: لَمَّا فَارَقْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْحُسَيْنَ بْنَ الْعَمِيدِ وَكَانَ بِالرَّيِّ مُبَادِرًا نَحْوَ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ لأَمْرٍ حَدَثَ فِي أَهْلِي وَاجْتَزْتُ بِأَصْبَهَانَ اغتنمني الصاحب ابْن عباد، أَبُو الْقَاسِم، وسألني الْمقَام عَلَيْهِ، فَذكر لَهُ الْأَمر الَّذِي من أَجله فَارَقت حَضْرَة أبي الْفَصْل والضرورة الَّتِي دعت إِلَى المسارعة نَحْو الْوَطَنِ، فَأَبَى أَنْ يَعْذُرَنِي فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ، وَأَخْبَرَ مُؤَيِّدَ الدَّوْلَةِ بَخَبَرِي وَعَرَّفَهُ صِدْقَ حَاجَتِهِ إِلَى الاسْتِكْثَارِ مِنِّي، فَأَمَرَ فَنُودِيَ بِأَصْبَهَانَ: بَرِئَتِ الذِّمَّة من رفقه تخرج إِلَى خُوزَستَانَ مُدَّةَ سَنَةٍ، فَاجْتَمَعَ تُجَّارُ الْعَسْكَرِ وَغَيْرُهُمْ إِلَيَّ، وَسَأَلُونِي إِجَابَتَهُ إِلَى الْمُقَامِ مَعَهُ الْقَدْرَ الَّذِي أُرِيدُهُ، لِيُفْسِحَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أُمُورِهِمْ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى قَرَأَ كِتَابَ الْجَمْهَرَةِ وَكتاب الِاشْتِقَاق وأمالي ابْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرَهَا، وَعَمِلْتُ لَهُ كِتَابَ أَقْسَامِ الْعَرَبِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، وَأَنَا شَاكِرٌ لَهُ ذَاكِرٌ بره. قَالَ أَبُو هِلَال: وَلَو أَن الْجَاهِل بَين نقيصة الْجَهْل من نَفسه لفزع إِلَى. . فِي التَّعَلُّمِ وَلَكِنَّهُ كَآكِلِ الثُّومِ، لَا يَشُمُّ من نَفسه مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَشُمُّهُ غَيْرُهُ وَيَتَأَذَّى بِهِ سِوَاهُ، وَالْفَضِيحَةُ بِالْجَهْلِ عَظِيمَةٌ، وَالْغَبْنُ بِهِ كَثِيرٌ لَوْ عَرَفَهُ الْجَاهُلُ وَلا يَرْضَى بِالْجَهْلِ إِلا مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفسه فَلَا يُبَالِي أَن يهجى ويستخلف بِهِ وَيُسْخَرَ مِنْهُ وَأَدْنَى حَقِّهِ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمن أكرمة إِلَّا عِنْد ضَرُورَة فقد وضع الْإِكْرَام فِي غَيره مَوْضِعه.

وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: ثَنَا أَبُو عَليّ عسل، ثَنَا أَبُو حَاتِم، ثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ: أَذِنَ هِشَامٌ إِذْنًا عَامًّا، فَدَخَلَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَضَى حَاجَتَهُمْ، فَلَمَّا ظهر أَن مَجْلِسه قد خَلا مِنْهُمْ، أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: مَنِ الَّذِي يَقُول: // من المتقارب //. (أَخَذْنَ الْقُرُونَ فَعَكَفْنَهَا … كَعَكْفِ الْعَسِيفِ غَرَابِيبَ مِيلا) قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَقَدْ تَخَلَّفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي حَاجَةٍ لَهُ كَالمُخْتَفِي، فَقَالَ: للَّذي يَلِيهِ: قل امْرُؤ الْقَيْس، فقلا: مَا يَعْنِي فَقَالَ الرجل يلقنه: قل الْفَرْع، فَقَالَ: الْفَرْع. فَضَحِك هِشَام وَجعل يضْرب رجله، فَقَالَ لِلْعِرَاقِيِّ: أَهَكَذَا هُوَ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلِمَنِ الشِّعَرُ قَالَ: لِكُثَيرٍ، قَالَ: يَصِفُ مَاذَا قَالَ: يَصِفُ شُعُورَ النِّسَاءَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا قَالَ: تَدَنِّي هَؤُلاءِ وَتَقَصِّينَا، وَهَذَا يَقُوله كثير يصف أَخذ النِّسَاء ضفايرهن ووضعهن كَمَا يعْمل عسيف بِالْعِنَبِ إِذَا علقَ عَنَاقِيدَهُ، وَشَبَّهَ الْعَنَاقِيدَ بِالْغَرَابِيبِ السَّودِ، قَالَ: فَقَضَى حَاجَتَهُ وَأَجَازَهُ. فَانْظُرْ كَيْفَ يسخر الْعرَاق مِنَ الشَّامِيِّ لَمَّا تَبَيَّنَ مِنْ جَهْلِهِ، وَكَيْفَ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ فِي إِدْنَاءِ الْجُهَّالِ وَإِقْصَاءِ الْعُلَمَاءِ، ولعمري إِن ذَلِك لسبة. أعلانا الله عز وجل وَإِيَّاك مِنَ الْجَهْلِ وَالرِّضَى بِهِ، وَتَقْرِيبِ أَهْلِهِ وَاسْتِحْسَانِ حَالهم مِنْهُ، وَنَفَعَنَا بِمَا عَلِمْنَا وَجَعَلَهُ حُجَّةً لَنَا لَا علينا. ‌‌وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت