ج / 9 ص -114- بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد الأستاذ شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى السرقة لغة أخذ مال الغير على وجه الخفية سمى به لأنه يسارق عين حافظه ويطلب غرته ليأخذه أو يسارق عين أعوانه على الحفظ بأن يسامره ليلا لأن الغوث بالليل قل ما يلحقه وهي نوعان صغرى وكبرى فالكبرى هي قطع الطريق لأنه يأخذ المال في مكان لا يلحق صاحبه الغوث ويطلب غفلة من التزم حفظ ذلك المكان وهو السلطان والعقوبة تستحق بكل واحد من الفعلين على حسب الجريمة في الغلظ والخفة فهذا الكتاب لبيان هذين الحدين وكل واحد منهما ثابت منهما بالنص أما في السرقة الصغرى الواجب بالنص قطع اليد قال الله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38] والواجب بأخذ المال في السرقة الكبرى قطع يد ورجل قال الله تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] الآية وكل واحد من الحدين عقوبة فإن الله عز وجل سمى أحدهما نكالا والآخر خزيا بقوله تعالى {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} [المائدة: 33] وكل واحد منهما جميع موجب الفعل فقد سمى كل واحد منهما جزاء وفيه إشارة إلى الكمال يقال خزي أي قضي وجزأ بالهمزة أي كفي فعرفنا أنه جميع موجب الفعل وإن كان كل واحد منهما مستحقا حقا لله تعالى لأن الجزاء على الأفعال المحرمة من العباد يكون حقا لله تعالى وفيه إشارة إلى أن الفعل محرم العين وإن عصمة المال فيما يرجع إلى موجب الفعل لله تعالى خالصا واختلف العلماء بعد هذا في السرقة الصغرى قال فقهاء الأمصار رضي الله عنهم المستحق قطع اليد اليمني من الرسغ وقال الخوارج إلى المنكب لأن اليد اسم للجارحة من رؤس الأصابع إلى الآباط وقال بعض الناس المستحق قطع الأصابع فقط لأن بطشه كان بالأصابع فتقطع أصابعه ليزول تمكنه من البطش بها وهو مخالف للنص والمنصوص قطع اليد وقطع اليد قد يكون من الرسغ وقد يكون من المرفق وقد يكون من المنكب ولكن هذا الإبهام زال ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أمر بقطع يد السارق من الرسغ ولأن هذا القدر متيقن به وفي العقوبات إنما يؤخذ بالمتيقن فأما قوله جل وعلا {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] فقد قيل المراد يحاربون أولياء الله فإن أحدا لا يحارب الله تعالى ولكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهو أصل في اللغة وقيل المراد بيان أن قاطع الطريق كأنه يحارب الله تعالى لأن المسافر في المفاوز في أمان الله تعالى،