فهرس الكتاب

الصفحة 1930 من 5509

ج / 10 ص -153- بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب التحري

قال رضي الله عنه اعلم بأن التحري لغة هو الطلب والابتغاء كقول القائل لغيره اتحرى مسرتك أي أطلب مرضاتك قال تعالى {فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن: 14] وهو والتوخي سواء إلا أن لفظ التوخي يستعمل في المعاملات والتحري في العبادات قال صلى الله عليه وسلم للرجلين الذين اختصما في المواريث إليه"أذهبا وتوخيا واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه"وقال صلى الله عليه وسلم في العبادات"إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب"وفي الشريعة عبارة عن طلب الشيء بغالب الرأي عند تعذر الوقوف على حقيقته وقد منع بعض الناس العمل بالتحري لأنه نوع ظن والظن لا يغني من الحق شيئا ولا ينتفي الشك به من كل وجه ومع الشك لا يجوز العمل ولكنا نقول التحري غير الشك والظن فالشك أن يستوى طرف العلم بالشيء والجهل به والظن أن يترجح أحدهما بغير دليل والتحري أن يترجح أحدهما بغالب الرأي وهو دليل يتوصل به إلى طرف العلم وإن كان لا يتوصل به إلى ما يوجب حقيقة العلم ولأجله سمى تحريا فالحر اسم لجبل على طرف المفاوز والدليل على ما قلنا: الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى {فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] وذلك بالتحري وغالب الرأي فقد أطلق عليه العلم والسنة قوله صلى الله عليه وسلم"المؤمن ينظر بنور الله"وقال صلى الله عليه وسلم"فراسة المؤمن لا تخطئ"وقال صلى الله عليه وسلم لوابصة"ضع يدك على صدرك فالإثم ما حاك في قلبك"وإن أفتاك الناس وشيء من المعقول يدل عليه فإن الاجتهاد في الأحكام الشرعية جائز للعمل به وذلك عمل بغالب الرأي ثم جعل مدركا من مدارك أحكام الشرع وإن كان لا يثبت به ابتداء فكذلك التحري مدرك من مدارك التوصل إلى أداء العبادات وإن كانت العبادة لا تثبت به ابتداء والدليل عليه أمر الحروب فإنه يجوز العمل فيها بغالب الرأي مع ما فيها من تعريض النفس المحترمة للهلاك.

فإن قيل: ذلك من حقوق العباد وتتحقق الضرورة لهم في ذلك كما في قيم المتلفات ونحوها ونحن إنما أنكرنا هذا في العبادات التي هي حق الله تعالى.

قلنا: في هذا أيضا معنى حق العبد وهو التوصل إلى إسقاط ما لزمه أداؤه وكذلك في أمر القبلة فإن التحري لمعرفة حدود الأقاليم وذلك من حق العبد وفي الزكاة التحري لمعرفة صفة العبد في الفقر والغنى فيجوز أن يكون غالب الرأي طريقا للوصول إليه إذا عرفنا هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت