فهرس الكتاب
ج / 11 ص -196- تعالى عنهما نهاه عن ذلك وهذا لأن الراعي أمر بالرعي والحفظ والسقي ومن لبنها بمنزلة هبة عنها ولا يجوز له ذلك بدون إذن أهلها والذي جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر براعي الغنم فاستسقاه اللبن تأويله أن ذلك الراعي كان يرعى غنم نفسه أو كان مأذونا من جهة مالكه بذلك وقد عرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه".
وعن موسى بن طلحة رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرنبا مشويا قال لأصحابه"كلوا"قال الأعرابي إني رأيت دما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس بشيء"وقال للأعرابي"إذن فكل"فقال إني صائم قال"صوم ماذا؟"قال صوم ثلاثة أيام من كل شهر فقال"هلا جعلتها البيض"وبه نأخذ فنقول الأرنب مأكول وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية فيه وأكل منه وأمر أصحابه رضوان الله عليهم بذلك.
وقول الأعرابي: إني رأيت دما مراده ما يقول جهال العرب أن الأرنبة تحيض كالنساء فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس بشيء وفيه دليل على أنه لا بأس للمهدى أن يأكل من هديته فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الأكل وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق فما كان يدعو أحدا إلى ما يخالف ذلك وفيه دليل على أنه إذا دعى إلى طعام وهو صائم لا بأس بأن يمتنع ويقول إني صائم وقد قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال حيث قال صلى الله عليه وسلم"صوم ماذا"قال صوم ثلاثة أيام من كل شهر وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على ذلك ويقول:"الحسنة بعشر أمثالها صوم ثلاثة أيام من الشهر كصوم جميع الشهر"وفيه دليل على أن الأفضل أن يكون صومه في الأيام البيض لقوله صلى الله عليه وسلم:"هلا جعلتها البيض"والبيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وعند بعضهم أولها الرابع عشر وآخرها السادس عشر سميت بيضا لطلوع القمر في لياليها من أول الليل إلى آخر الليل فكأن الليل يستوي بالنهار في البياض.
وقيل: لما روى أن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما أهبط إلى الأرض بعد زلته أغبر جسده صام الرابع عشر فابيض ثلث جسده ثم صام الخامس عشر فابيض ثلث آخر ثم صام السادس عشر فابيض جميع جسده وعاد اللون الأول فسميت بيضا لذلك وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه أهدى لها ضب فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله فكرهه فجاء سائل فأرادت أن تطعمه إياه فقال صلوات الله وسلامه عليه:"أتطعمين ما لا تأكلين"وبهذا نأخذ فنقول لا يحل أكل الضب وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحل لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال:"لم يكن من طعام قومي فأجد نفسي تعافه فلا أحله ولا أحرمه". وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الآكلين أبو بكر رضي الله تعالى عنه كان ينظر إليه ويضحك واعتمادنا على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فيه يبين أن امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله لحرمته لا لأنه كان يعافه ألا ترى أنه نهاها عن التصدق به ولو لم يكن كراهية الأكل للحرمة لأمرها بالتصدق به